طوفوا.. وشوفووا

محمود عمارة

محمود عمارة

كاتب صحفي

بعيداً عن «السفسطة» و«الجدل» الممل والسخيف الدائر على معظم الشاشات، حول مبارك وسنينه، وعن الماضى.. والشعب مشتاق للحديث عن المستقبل: كيف نبنى هذا البلد؟ وبكام؟ ومنين؟.. ودور كل واحد فينا؟... و... و... و... تعالوا لنرى «البنى آدمين» المحترمين فى بلاد بره كيف يفكرون فى أبسط وأهم الأشياء (رغيف العيش والغموس).. أقصد «الزراعة».. التى نُحقِّرها، ونعتبرها حاجة عيب!! كيف يحتفى ويحتفل بها أهل باريس.. رغم أن «الزراعة» فى فرنسا لا تمثل سوى 2% من الناتج القومى البالغ «ألفين و500 مليار دولار» (مصر 200 مليار).. فرغم أنهم ينتجون 40 مليون طن من «الحبوب»، ولا يحتاجون منها سوى 10 ملايين، ويكتفون ذاتياً من كل شىء طعاماً وشراباً، لكن لمجرد أن دخل «الفلاح» انخفض العام الماضى نتيجة للأزمة الاقتصادية التى تمر بها أوروبا الآن.. فقد خرج «الرئيس الفرنسى» أثناء افتتاحه المعرض الزراعى السنوى (فى مصر.. حتى وزير الزراعة لم يحضر معرض صحارى بمدينة نصر).. أعلن رئيس فرنسا فى خطاب سيحاسبه عليه الشعب كالمعتاد قائلاً: «إن (أرض) فرنسا الزراعية هى جزء من الهوية الفرنسية.. فكل فرنسى له (جد) أو (جد الجد) كان يعمل بالزراعة.. وهؤلاء هم الذين خلقوا (صورة فرنسا الجميلة).. وأعطوا لمنتجاتها مذاقاً خاصاً.. فهى جزء من تاريخنا، وجزء من أرواحنا ووعينا.. وأيضاً هى (المفتاح) لمستقبلنا.. ولن أتراجع نصف ملليمتر عن دعم الزراعة مهما تكلفنا من مليارات.. وها هو «برنامج الدولة» للمساعدات الإضافية لهذا القطاع الغالى علينا: أولاً: بالإضافة للدعم المباشر من الاتحاد الأوروبى.. قدره 8 مليارات يورو (جريدة لوموند) بمتوسط 20 ألف يورو لكل مزارع (مزارعو فرنسا 390 ألفاً)، بما يعادل 160 ألف جنيه لكل فلاح!! «مليار يورو» من الميزانية الفرنسية لخفض الفوائد البنكية للمزارعين لتصبح 1.5% على خمس سنوات، ولصغار المزارعين 1% بعد فترة سماح 3 سنوات!! ثانياً: «650 مليون يورو» إضافية لمساعدة قطاع الصيد، وتربية الدواجن والحيوانات لمواجهة الأزمة الطارئة من انخفاض دخل المزارع بسبب تقلبات الأسعار. ثالثاً: تسهيلات خاصة لـ«الشباب» لمن يبدأ مشروعاً ويخلق فرص عمل لأكثر من اثنين، هذا بالإضافة إلى الدعم السابق والسارى وهو 400 يورو لكل خروف، و600 للنعجة، و800 للبقرة.. . والجاموسة؟.. (معندُهمش جاموس زينا). رابعاً: تشجيع ودعم التعاونيات.. واستراتيجية واحدة لدول السوق الأوروبية، تعتمد على: 1- حماية الفلاح ضد مخاطر تقلبات الطقس.. 2- مراقبة الحكومة لضبط الأسعار، ومعرفة «هامش الربح» للتجار دون تعارض ذلك مع حرية التجارة.. مثال: «أن يكتب التاجر- بجوار سعر البيع - سعر شرائه لهذا المنتج»! ومنذ أن أعلن رئيس الجمهورية هذا الخطاب، بدأت الإجراءات على أرض الواقع (فى البنوك.. فى التعاونيات.. فى سرعة وصول الدعم.. فى تعديل بعض التشريعات)، وها هو «الشانزليزيه» بجلالة قدره تغلقه الدولة «يومين كاملين» ليتحول إلى حديقة.. إلى مزرعة.. إلى معرض للمنتجات الزراعية.. وها هى «حديقة قصر الإليزيه» الخلفية تشهد عروضاً خاصة لمزارعى فرنسا بألوان ومذاق كل إقليم.. وها هو «قوس النصر» وفوقه «يرفرف» العلم الفرنسى حامياً الأهالى، والشرطة فى خدمة الفلاحين والزائرين والسياح.. الشانزليزيه بطوله وعرضه يعج بآلاف البشر يشاهدون «تابلوهات» حقيقية مرسومة، وملونة ومزدهرة بكل أنواع النباتات، والأشجار (16 ألف شجرة ونبتة) من أشجار الموز- الأناناس- الكروم.. نزولاً من قوس النصر باتجاه الإليزيه وقف آلاف الأطفال يتفرجون وسط حقل من القمح الحقيقى على عرض لملكة جمال الماعز.. وبجوارها جميلة الجميلات من أبقار «النورماندى».. ووسط الشانزليزيه فى معرض «ستوروين» للسيارات الذى أهدى المكان لمدة يومين للمزارعين، تقدم فلاحات الجنوب عرضاً للأزياء التقليدية، وكل إقليم يخصص له 3 ساعات ليعرض ما يشاء من مسابقات التف حولها آلاف السياح، والمقاهى على الجانبين تعج بالباريسيين والأجانب.. وشركات الدعاية والإعلان تدفع بملكات جمال الموضة لجذب الانتباه.. (هذا المعرض تكلف 4.2 مليون يورو= 40 مليون جنيه دفعتها شركة الإعلانات المنظمة).. ووسط الشارع ترى محطات التليفزيون المحلية والعالمية، ومركزاً إعلامياً عالمياً. وعلى الأرصفة من منتصف الشارع وحتى «ميدان الكونكورد مئات الأكشاك العارضة للمنتجات الغذائية التى تشتهر بها كل محافظة.. من الفواجرا (كبد الوز والبط) التى يمكنك تذوقها مجاناً مروراً بالشمبانيا، والأجبان بأنواعها الـ365 صنفاً بعدد أيام السنة. ومن لبن الماعز إلى «لبن العصفور» تراه معروضاً أمامك يفتح شهيتك، ويسر الناظرين. الشانزليزيه ليس به قدم بسبب الدعاية التى سبقت هذه الاحتفالية، والتى أضافت مسابقة جديدة لتنشيط السياحة رغم أنهم أولى دول العالم فى جذب 80 مليون سائح سنوياً، وتحريك الاقتصاد، وجذب الانتباه، وتنفيذ الوعد الذى قطعه الرئيس لدعم الفلاحين!! وعندما تصل إلى نهاية الشانزليزيه بطول 2 كم، تصطدم بالمسلة المصرية، وترى على بعد خطوات منها «الهرم»، الذى بناه المزارعون بكل أنواع الخضراوات الطازجة، والفاتحة للشهية، وبعد أن تجلس لخمس دقائق لتقرأ على صفحات «البروشورات» التى يوزعونها مجاناً عن «حديث البطون» وآداب المأكل والمشرب، وأهمية الغذاء الصحى اليومى، وفوائد الفاكهة الحمراء، ووجوبية أن يشتمل طبق السلطة على خمسة ألوان، والوصايا العشر للحفاظ على صحتك، وقدرتك، وحيويتك بعيداً عن المنشطات، تجد نفسك بلا وعى تنظر إلى «المسلة المصرية» فى قلب ميدان الكونكورد، وترفع يديك إلى السماء راجياً الخالق القادر أن ينتقم لنا من كل الذين تسببوا فيما وصلنا إليه فى مصر من تخريب وخراب، بعد أن كنا يوماً «سلة غذاء» الرومان والشرق الأوسط، أصبحنا نستجدى ونشحت ونستورد 62% من طعامنا وشرابنا ونهمل ونحقر من شأن أرضنا، وقيمة فلاحينا، ولا تعنينا أن تعود قُرانا قرى منتجة.. الخلاصة: الناس فى كل دول العالم «بطلوا كلام».. بيشتغلوا، بيبنوا بلادهم بأفكار خلاقة، ومبادرات بناءة، وسياسات فعالة، وبرامج عادلة، والدولة دائماً سابقة المجتمع.. بتخطط له، وتنفد أى «فكرة» تفيد الوطن.. وكل واحد قايم بدوره، وواعى لمسئوليته ولهذا يتقدمون.. يقفزون.. أما نحن فحدث ولا حرج. السؤال: متى سنفيق من الغيبوبة؟ لننقذ مصر التى تصرخ.. تئن.. تستغيث.. وهل «الرئيس» وحده قادر على حمل «التركة» بعد أن أصبح «ون مان شو»؟