الدور الاقتصادى لتجديد الخطاب الدينى
انشغل المجتمع المصرى مؤخراً بالظاهرة المعروفة إعلامياً وشعبياً بمسمى «المستريّح»، وهو الشخص الذى يجمع أموال البسطاء من عامة الناس، بزعم استثمارها فى مجالات مختلفة، نظير عوائد مالية ضخمة، نادراً ما تتحقق، ثم يختفى فجأة. والسبب فى إطلاق اسم «المستريح» على كل من يلجأ إلى هذا الأسلوب فى الاحتيال على المواطنين وسلب أموالهم يعود إلى العام 2014م، حيث كان المجتمع المصرى على موعد مع المحتال «أحمد مصطفى»، الذى اشتهر بلقب «المستريح»، واستطاع أن يجمع من أهل قريته فى الصعيد أكثر من ثلاثة وخمسين مليون جنيه، لاستثمارها فى تجارة بطاقات شحن الهواتف المحمولة، وتم القبض عليه فى سنة 2015م، وحصل على حكم نهائى بالحبس لمدة خمس عشرة سنة، وردَّ 266 مليون جنيه للمدعين بالحق المدنى. ومنذ هذا التاريخ، غدا لفظ «المستريح» هو اللقب المستخدم إعلامياً وشعبياً للدلالة على كل من يحتال على العامة ويجمع منهم الأموال بزعم استثمارها لهم نظير عوائد مالية ضخمة. وإذا كان معظم من لجأوا إلى هذا الأسلوب فى النصب والاحتيال هم من فئة الرجال، فقد دخل العنصر النسائى مؤخراً فى هذا السلوك الإجرامى، حيث اتُّهمت إحدى السيدات القاطنات فى محافظة الشرقية بالنصب على سيدات عدة، من خلال الحصول منهن على الأموال، بزعم استثمارها فى تجارة الأجهزة الكهربائية ومفروشات العرائس، وبيعها وإعطائهن نسبة من الأرباح. وهكذا، تم تأنيث لقب «المستريح»، بإضافة التاء المربوطة إليه.
وإذا كان استخدام لقب «المستريح» مستحدثاً، فإن ظاهرة جمع الأموال من المواطنين بحجة توظيفها واستثمارها قديمة. إذ تعود هذه الظاهرة إلى سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضى، حيث شهد المجتمع المصرى آنذاك بزوغ وازدهار ما كان يعرف بـ«شركات توظيف الأموال»، وأشهرها «الريان» و«السعد» و«الهدى»، التى عمدت إلى جمع الأموال من «المودعين» بغرض «استثمارها» مقابل عائد مادى عالٍ، بالمقارنة بأسعار الفائدة فى البنوك الوطنية التى كانت منخفضة حينها. وقد ساعد على انتشار شركات توظيف الأموال تمتعها بغطاء دينى، حيث تكفل عدد من رجال الدين بتقديم وإبراز خدماتها كوسيلة للربح الحلال مقابل «البنوك الربوية» على حد زعمهم. وعلى كل حال، فقد انتهت ظاهرة «شركات توظيف الأموال» بهروب أو سجن القائمين عليها، بعد أن عجزوا عن الوفاء بوعودهم بدفع الأرباح أو رد أموال المودعين. وتسببت قضاياهم وقتها فى هزة اقتصادية واجتماعية كبيرة للمجتمع المصرى، بعد أن تبخرت أموالُ الناس فى مُضاربات وهمية وتجارة فى أسواق الذهب والبورصات العالمية بطريقة عشوائية غير مدروسة.
ورغم شيوع الاعتقاد حينها بأن أزمة شركات توظيف الأموال -على قسوتها- تشكل درساً للعامة بعدم الانصياع وراء الأوهام والرغبة فى الثراء السريع، فإن وقائع النصب والاحتيال من خلال قيام أشخاص بجمع أموال الناس لتوظيفها فى مجالات تجارة العقارات أو المحاصيل الزراعية والسيارات وغيرها تكررت كثيراً خلال العقد الثانى وبداية العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين. ووفقاً لبعض الإحصاءات الصادرة عن إدارة الأموال العامة بوزارة الداخلية، فقد بلغت حصيلة ما جمعه 25 محتالاً خلال أقل من عشر سنوات مبلغاً كبيراً، يبلغ نحو خمسة مليارات جنيه مصرى.
وفى تحليلهم لهذه الظاهرة، يلاحظ البعض أنها تتركز بشكل أساسى فى المناطق الريفية وفى صعيد مصر والمناطق الشعبية والأحياء الفقيرة، بينما يندر أو يقل وجودها بين سكان المدن الكبرى، ولاسيما المناطق الحضرية وبين الطبقات الغنية. وفى تفسيرهم لذلك، يرى هؤلاء أن سكان المناطق الفقيرة أكثر ميلاً لعدم الثقة فى البنوك، تحت تأثير الاعتقاد بأن الفوائد البنكية حرام وأن المؤسسات المصرفية تقوم على الربا المُحرَّم فى الإسلام. ومن هنا، تبرز أهمية تجديد الخطاب الدينى فى الحد من هذه الظاهرة، ومنع تكرار حالات النصب والاحتيال التى كان ضحيتها عدد كبير من المواطنين.
والواقع أن قضية «تجديد الخطاب الدينى» فى العقل الجمعى المصرى والعربى ترتبط بظاهرة التطرف والإرهاب، وبحيث يسود التركيز لدى النخبة على تجديد الخطاب الدينى باعتباره السبيل إلى مقاومة الداء والخطر الجسيم الذى يداهم المنطقة العربية متمثلاً فى الجماعات الإرهابية. ورغم تسليمنا بأهمية الدور الذى يمكن أن يلعبه «تجديد الخطاب الدينى» فى هذا الشأن، فإن ثمة دوراً آخر له لا يقل أهمية، ألا وهو «الدور الاقتصادى لتجديد الخطاب الدينى»، الأمر الذى يغفل عنه الكثيرون. فمما لا شك فيه أن هدف الشمول المالى، وتشجيع المواطنين على إيداع أموالهم فى البنوك، يتوقف -فى جزء كبير منه- على تغيير بعض الأفكار السائدة فى أذهان العامة بشأن آليات الاستثمار بوجه عام والفوائد البنكية على وجه الخصوص. وفى اعتقادنا أن تجديد الخطاب الدينى بهذا الشأن ينبغى أن يقوم على ثلاثة محاور: أولها، هو بيان وجه المشروعية فى الفوائد البنكية. وثانيها، هو مدى مشروعية شراء الذهب، كوسيلة آمنة للاستثمار، مع الاستهداء فى هذا الشأن بآراء الاقتصاديين حول مدى جدوى الاستثمار فى شراء هذا المعدن النفيس. أما ثالثها، فهو كيفية احتساب الزكاة فيما يتعلق بالفوائد البنكية، وما إذا كان ذلك يتم على أساس نسبة 2.5% من كامل المبلغ المودع فى البنك، أم يتم على أساس عشرة فى المائة من قيمة العائد فحسب، قياساً على زكاة الزروع والتجارة.. وللحديث بقية.