يا «شيرين»: صنعت الأمل من رحم «الموت»
عزيزتى شيرين، كيف حالك؟ شاهدت أمس لحظة اغتيالك، التى حاولت تجنبها بقدر الإمكان خلال الفترة الماضية، أرجو أن تعذرينى، لا أتسم بتلك القوة التى وجدتها فيك، امرأة تقف وحيدة أمام طلقات النار ترغب فى نقل الحقيقة بأى ثمن، وبأى شكل حتى لو كان هذا الثمن هو روحها.
شاهدت تلك اللحظة التى لا تتعدى ثوانى بسيطة، كان فيها صوتك الشجاع، الذى هو بتعريف الفيزياء مجرد ترددات فى الهواء، يخيف جيش الاحتلال بأكمله، فيحاول إسكاته، ويا للعجب بأشخاص مسلحين بشكل كامل وبرصاصات لا تتوقف، ينطلق صوت ذلك الرجل: «لا تصوب.. لا تصوب»، محاولاً إنقاذك يائساً، بينما يبدو الألم فى صرخته وهو ينظر إلى جسدك الملقى على الأرض مضرجاً بالدماء.
هل تهدجت أنفاسى حتى كدت أختنق؟.. هل كتمت فمى بيدى حتى لا تنطلق صرخة تشق السماء بعدم عدالة ما يحدث؟ هل انهرت فى بحر من البكاء حتى دمى القلب؟ نعم حدث كل ذلك، فقد بدا المشهد للأسف مألوفاً لى، شاهدته مع أبى عام 2002 لأول مرة، أحاول نسيانه دون جدوى، عندما كان الصغير «محمد الدرة» جالساً وأبوه يشير يائساً أيضاً لقوات الاحتلال بعدم التصويب، ولكن سقط الصغير الذى لا يملك من الأمر شيئاً بالرصاصات الغادرة التى لا تفرق بين طفل أو امرأة أو رجل أعزل.
عزيزتى شيرين: شاهدت تلك الجريمة الشنعاء، وعلى قدر الحزن الذى فطر قلبى، كان هناك للمفارقة نفحات من الأمل، فالقضية الفلسطينية لم تمت كما يصور البعض، وأولهم الاحتلال الإسرائيلى العنصرى، فقد التف الجميع مرة ثانية حول القضية، ذلك الشباب الصغير بدأ يقرأ ويسمع كلماتك التى تنقل على مدار 25 عاماً ما يحدث فى فلسطين من تدنيس للمقدسات، وحصار لشعب يريد فقط حقه فى الحياة بسلام.
وبموتك يا شيرين وقطرات دمائك المجيدة صنعت الوحدة الوطنية العربية، فالجنازة ضمت كل الأطياف وكل الفئات والأديان، الكل كان يدعو لك، الشيوخ بجانب القساوسة، النعى ينطلق من كل الدول العربية موحداً، فيخشى المحتل ويطلق رواية كاذبة بشأن قتلك يتحرج طفل من تلاوتها أمام أصدقائه الصغار.
وفى تلك اللحظة التى سقط فيها جسدك يا شيرين وتكوم على الأرض فلم يبد من ثناياه هل هو جسد رجل أم امرأة، بمثابة رسالة لمن ينادون بأن المرأة لا تستطيع، بأن المرأة كائن ضعيف غير مكتمل، دوره لا يتخطى عتبات المنزل الذى تسكنه، فها هى امرأة درست الهندسة المعمارية لكنها لم تروِ شغفها، فقررت دراسة الصحافة والإعلام، ثم وهبت حياتها لقضية بلدها، وفى الغارات الإسرائيلية الغاشمة وفى الانتفاضات الفلسطينية الصامدة كانت تقتحم بلا تردد أو خوف لنقل حقيقة ما يحدث بشجاعة تتخطى آلاف الرجال كأنها «جان دارك» العرب الجديدة.
وأخيراً فى تلك الثانية التى ارتقت فيها روحك إلى السماء يا شيرين، عادت البصيرة إلى الكثير من العاملين فى المجال الإعلامى والصحافة على وجه الخصوص بأهمية عملهم، بأنهم طبول الحقيقة التى يجب ألا تجفل أو تخاف أو تتوقف أو تنسحب مهما كانت الظروف، بأنهم الشوكة التى تقف فى وجه الاحتلال فتصيبه بالغصة، وأنهم صوت الذاكرة القادرة على تغيير الواقع أو حتى تحريكه، كما قلت أنتِ يا شيرين من قبل: «ليس سهلاً ربما أن أغير الواقع، لكننى على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم».
عزيزتى شيرين: لروحك سلام، ولقلبك الواعى الشجاع سلام، وكما قال محمود درويش: «تصبحين على وطن».