عبقرية الشخصية الفرنسية

محمود عمارة

محمود عمارة

كاتب صحفي

بعد أن «تاهت» الثورة الفرنسية 16 سنة، وتم إعدام الثوار بنفس المقصلة التى قطعوا بها رأس الملك وزوجته.. والاضطرابات والبلطجة التى سادت، وأدت إلى انفصال مدينة «ليون»، وفقد الناس الأمل فى الاستقرار، وبدأ «الحلم» يتبخر.. حلم النهوض بفرنسا وإعادة بنائها من جديد لتتحقق أهداف الثورة.. وسط هذا اليأس، وندم الكثيرين على «أيام الملكية» التى ثاروا عليها.. وبعد أن وضعوا أول طوبة، وحققوا أولى خطوات البناء الجديد، خرجت مقولة لـ«تاليران»، وزير خارجية «لويس نابليون بونابرت»، أول رئيس لأول جمهورية هناك، تقول: «عندما أتأمل نفسى، وما حققته خلال سنوات عمرى أُصاب بالقلق، ولكن عندما أُقارن نفسى بالآخرين أُحس بالاطمئنان». وهذا يعبر عن أحد جوانب الشخصية الفرنسية، التى لا تكف ليل نهار عن النقد الذاتى، الذى يصل إلى جلد الذات، فهم شعب دائم الشكوى من حكوماته، غير راضٍ عن نفسه، برغم كل ما وصل إليه من تحضر، وتقدم، ورفاهية.. ما جعل الزعيم «ديجول» يقول: «كيف يرضى عنى شعب (مزاجه) من أنواع الجبن 365 صنفاً بعدد أيام السنة؟!». شعب لا يعجبه العجب.. ولكنه «يقبل الصيام فى رجب».. فهناك خمسة ملايين مسلم من شمال أفريقيا، ومن الهنود والباكستانيين.. منتشرون فى كل أرجاء فرنسا، لهم «خمسة آلاف مسجد وزاوية»، ورغم ذلك تجد من يفتح شباك شقته بالدور السابع ليؤذن الفجر.. وكل ما يفعله السكان الأصليون هو استدعاء الشرطة لتحذيره وتنبيهه بأن مكان الشعائر والعبادات هو المسجد أو الكنيسة أو المعبد. فالحرية هناك «مقصوفة الرقبة» عندما تؤثر سلباً على حرية الآخرين.. «قف على رأسك، ولكن حذارِ أن تعطل الطريق، أو تزعج المارة».. «بلبط» فى أى بركة تحت أى نافورة، ولكن إياك أن «تطرطش» على ملابس الآخرين! هل فرنسا عنصرية؟ الشعب الفرنسى «يجهر بالحقائق».. يقول للأعور فى عينه أنت أعور.. شعب غريب وعجيب لمن لا يفهمه.. ربما تاريخه، حضارته، ثقافته، تميزه وتفرده فى الآداب والفنون، والموضة، والإتيكيت، تجويده للصناعة، وفرة إنتاجيته فى الزراعة، وجذبه لـ85 مليون سائح سنوياً.. كل ذلك وغيره ربما جعل هذا الشعب يعتز بذاته، ويفخر ويفاخر بإنتاجه وإبداعه وتحضره، لدرجة قد تصل أحياناً إلى حد «الغرور» والقسوة، أو «الوقاحة» عند بعض الثقافات الأخرى!! فى المترو.. فى الأوتوبيس.. فى الطائرة.. فى الحدائق تجد كل بنى آدم يمسك كتاباً باليمنى، ويسحب كلباً أو قطة باليسرى.. فالكتاب والحيوان هما الصديق الصدوق للإنسان.. فلا وقت لديهم لاكتشاف الآخر.. فهم لا يتقربون ولا يصادقون إلا بعد أن يجتاز الآخر «امتحاناً» فى التحضر والثقافة والسلوك والتعامل، ليفتحوا قلوبهم أو ينغلقوا على الكتاب والحيوان، وتبقى علاقتهم بالآخر سطحية «بونجور - أورفوار»، حتى لو كنت «أغنى رجل فى العالم»!! فهناك يحترمون ويُجلون «الثروة»، والثروة هناك هى «المعرفة»، والمعرفة تفيد البشرية.. أما «الفلوس» فهى لنفسك وتخصك أنت وحدك (مش زى عندنا.. وسَّع يا جدع لمالك الفلوس حتى لو كان حرامى). هناك معنى «الشرف» أن تتكسب من عرق جبينك، وتدفع ضرائبك على داير السنتيم. إنه شعب يستحق فهمه.. بالتعرف على منهج وطريقة تفكيره، ومنطلقاته وثوابته ومزاجه.. فهو أقرب الشعوب الغربية فهماً للثقافة العربية.. مصر.. بالنسبة لهم هى: «أم الدنيا»، وحلم كل فرنسى أن يزور الأقصر وأسوان، ويعود لأبوسمبل ومعابد فيلة، ولا يفوته أن ينحنى لأبى الهول.. إذا قابلك فى أى مكان، وعرف بمصريتك يبدأ هو الحوار بلا قيود أو تحفظات، لتكتشف أنه يعرف عنا أكثر بكثير مما نعرف عن أنفسنا وتاريخنا! من نابليون مروراً بديجول - ميتيران - شيراك - ساركوزى - أولاند.. كلهم من عشاق مصر (ابن الرئيس الأسبق جيسكار ديستان متزوج من مصرية مسيحية يتغنى بجمالها، ويلقى أشعاراً فى خفة دمها، ويتفاخر بأصولها المصرية). كل الفرنسيين «مُولعون» بالحضارة الفرعونية.. و(يمكن كتابة مجلدات عن عشقهم واحترامهم وتقديرهم لأم الدنيا). السؤال: طالما أن علاقاتنا سمن على عسل، لماذا لا يستثمرون عندنا؟ لماذا يستثمرون فى المغرب 8.5 مليار يورو 2012/2013، ويحصلون على المركز الأول قبل إسبانيا، وسنغافورة (حد سمع عن استثمارات سنغافورية فى مصر؟).. ويبقى حجم التبادل التجارى بين مصر وفرنسا لا يزيد على 2.5 مليار لصادراتنا ووارداتنا منهم؟ وهم رقم 12 فى حجم الاستثمارات الأجنبية بمصر. علماً بأن «الأزمة الاقتصادية» وغلو الضرائب فى أوروبا «فرصة ذهبية» لنا لجذب استثماراتهم. يرددون فى فرنسا: إنه فخر لأى شركة فرنسية أن تباهى بالاستثمار على أرض الفراعنة.. ولكن أحفاد الفراعنة ينظرون إلى كل أجنبى على أنه مستعمر ومصاص دماء. وأهبل وعبيط.. ويقولون بعد زيارة «السيسى»: هناك أمل.. ومنتظرون ما ستقدمونه فى «مؤتمر مارس» من مشروعات، وتشريعات. صباح الخير سيادة الرئيس: شكراً لقواتنا المسلحة التى تبنت «الفكرة» التى طرحناها وهى: بناء مجمع لإنتاج الأسمدة التى يحتاجها فلاحو مصر.. وشكراً لوزارة الاستثمار لاقتناعها بـ«فكرة»: «الشباك الواحد، والموظف الوحيد».. ويبقى لنا مطلب عاجل: بما أنكم مصرون على استصلاح مليون فدان نائية بدون دراسات جدوى ولا سياسات زراعية: اسمعوا لأصحاب الخبرات من «أوائل» و«رواد» غزو الصحراء فى السبعينات والثمانينات، قبل أن يتوفاهم الله، وتدفن معهم خبراتهم.. بعد أن مات أمس مؤسس أول وأعظم مدرسة للاستصلاح والاستزراع. د.كامل دياب (بيكو).. رحمة الله عليه. فقد كنا فى أوروبا أوائل التسعينات نفاخر ونتفاخر فى المعارض الدولية أمام المستوردين والمنتجين الأجانب بمنتجات «بيكو» المصرية، التى تفوقت على المنتجات الإسرائيلية ودول أمريكا اللاتينية بالمواصفات القياسية، والشروط البيئية والصحية، وأصبحت نموذجاً لأى شركة مصرية راغبة فى غزو الأسواق العالمية، وهذه شهادة كتبتها بجريدة الأهرام منذ 15 سنة وأكررها اليوم.. «تحية مستحقة» لكل مصرى ساهم فى نهضة مصر الزراعية، ورفع اسم مصر عالياً فى سماء «العالمية»، كامل دياب، وخبراء «بيكو»، يشهد لهم القاصى والدانى.. أكرر: الحقوا استفيدوا من تجارب الباقين على قيد الحياة، وابدأوا من آخر سطر، حتى لا تصبح الصحراء مقبرة للشباب، ومدفناً لأموال الشعب، وقد أعذر من أنذر.!!