حتى لا تتكرر المآسى!!
مع بداية ظهور فيروس إنفلونزا الطيور فى 17 فبراير 2017.. وحالة الرعب والهلع والتهويل من قبل منظمة الصحة العالمية وتهديدها لكافة الدول بتحميلها مسئولية تحويل الفيروس الضارى من الطيور إلى البشر، ليصبح وباء عاماً، ورغم علم الجميع أن هذا الفيروس من أضعف الفيروسات، وأنه بإجراءات بسيطة تتمثل فى إجراءات الوقاية والسلامة ومبادئ الصحة العامة يمكن القضاء عليه واحتواؤه، وأنه لا ضرر من التناول حيث يُقضى على الفيروس فى درجة حرارة 70 مئوية. أسند هذا الملف إلى وزارة الصحة بدلاً من وزارة الزراعة، ونتيجة التهويل والمغالاة فى الخوف من هذا الوهم، قامت اللجنة العليا لمواجهة الفيروس باتخاذ قرارات وإجراءات سريعة غير مدروسة، كانت لها انعكاسات ضارة كادت تقضى على صناعة الدواجن الناجحة والممثلة فى حجم استثمارات ضخمة حققت لمصر الاكتفاء الذاتى من اللحوم البيضاء، وقد كتبت فى حينه عشرات المقالات تناولت فيها جميع جوانب الأزمة والحلول اللازمة، وحتى لا تتكرر أخطاء الحكومات أعيد نشر ما كتب فى حينه.
طيور.. خنازير.. مدبوح.. مدبوح!!
البلدى.. البلدى.. يا خوفى على البلدى.. وبلدى.. وأهل بلدى.. وأعنى بالبلدى.. كل فرخة بلدى.. وكل بطة بلدى وكل جوز زغاليل فى البيت متربيين.. وفى أمان الله.. واكلين.. شاربين.. وحتى الوز المسكين.. كل دول.. من أصل الحضارة.. موجودين.. وعلى حيطان المعابد.. مرسومين..!! وعلى ضفاف النيل.. طايرين.. حاطين.. وعلى إيد أجدادنا وآبائنا وصلوا إلينا سالمين.. آمنين.. بتعملوا إيه فيهم.. يا حلوين؟؟ من غير تفكير.. عليهم بالإعدام حاكمين!! عموماً الكل معذور.. فهذه ضريبة العولمة.. وطبعاً.. التهويل.. والتخويف.. من انتشار وباء (وهمى).. يهدد البشرية.. وفى بلد مستهدف بالفيروسات (الإشاعات).. استغل ظروف شعب طيب.. أثقلته الهموم تحولت سلوكياته إلى السلبية (اللى تفرس).. معذور.. فهو ضمن منظومة الهرم المقلوب.
لا أحد يختلف على أن صحة الإنسان هى الهدف الرئيسى.. ولكن.. بعد زوال أثر الوهم.. وانجلاء الحقائق على أرض الواقع.. تعالوا نفكر جميعاً وبهدوء.. ومش لوحدكم.. فإذا أردتم أن تصلحوا.. فشاركوا.
وهنا أذكر متخذ القرار أن هناك واقعاً بياناته غير مدونة.. ولا حاضرة.. وغير محصورة أصلاً!! وسأضرب مثالاً على ذلك.. ودى حاجة كلنا عايشين فيها اليوم.. هل لدى متخذ القرار بيانات وإحصاءات عن حجم مزارع الدواجن المنتجة للدجاج البلدى.. والساسو (المهجن مع البلدى) نتيجة جهود خبرائنا فى مراكز البحوث.. وتجارب المربين؟ هل هناك بيانات عن عدد مزارع البط من أمهات وتسمين لحم.. وحجم إنتاجها؟
هل هناك بيانات عن حجم إنتاج معامل التفريخ البلدى (التى ازدادت ووصل عددها إلى حوالى 2000% من المدون فى موسوعة وصف مصر والمرصد من شباب وعلماء الحملة الفرنسية) والمعامل الحديثة منها؟ وهل هناك بيان عن عدد وحجم وأنواع الإنتاج فى المزارع غير المرخصة فى جميع أنحاء مصر؟ وبالطبع لن يكون هناك رصد لعدد العاملين فى هذا القطاع الضخم.. لأنه ببساطة غير منظم وغير مقنن.. تصوروا الكم الهائل من العاملين فى هذا القطاع فى جميع حلقاته وهنا أذكر أن مشروع الرقم القومى وسرعة إتمامه سيساعد على إنجاز وحل قضايا كثيرة فى حياتنا.. نعود إلى موضوعنا.. إن حجم الاستهلاك اليومى من الدواجن فى مصر هو 2 مليون طائر.. مليون بدارى تسمين (فراخ بيضاء) ومليون (دجاج بلدى ومهجن وبط بأنواعه) الدجاج الأبيض رغم الخسائر المادية لا يشكل مشكلة معقدة.. حيث إن الإجراءات التنظيمية مع تعويض المتضررين ستعيد التوازن خلال 6 أشهر على الأكثر.. أما المليون الآخر فهو صاحب المشكلة الأكبر والأكثر تعقيداً.. حيث لا توجد بيانات أو إحصاءات حقيقية تساعد متخذ القرار على معرفة مدى التأثير الهائل.. على البلدى.. وبلدى.. وأهل بلدى.
طبعاً كلنا عارفين الفرخة البلدى اللى حجمها «قلة» وطعمها لذيذ وأحلى من العسل واللى النسيرة منها تشفى العليل!! وتفكرك بالزمن الجميل.. ويحضرنى هنا قصيدة للشاعر السكندرى أمين قاعود.. فى أحد أيام يوليو من عام 1978م.. كنا فى ضيافة صديق بمنزله فى قرية محلة مرحوم مركز طنطا والمجاورة لقرية برما.. معقل إنتاج الدواجن ومعامل التفريخ والبيض بأنواعه.. بيت ريفى -نموذج منتشر فى كافة أنحاء مصر- مكون من طابقين.. فى مقدمته حديقة بحرى مساحتها حوالى قيراطين.. بها جلسة صيفى (شخشيخة) مصنوعة من سعف النخيل.. لا تراها إلا على شواطئ هاواى.. أو هونولولو!! وتكعيبة عنب فى الممر المؤدى إلى المنزل.. ويزدحم المكان بكافة أنواع الخضار.. فجل.. جرجير.. خضرة محشى.. نعناع ملوخية.. وكام زرعة فلفل.. على طماطم وشجرتين ورد بلدى.. وكمان فل وياسمين.. وفى الوسط طلمبة مياه ارتوازى.. وتوجد عشتان إحداهما للفراخ.. والأخرى للبط.. وأمام البيت شجرة توت عريقة.. تظلل وتلطف المكان فى أوقات الحر والقيظ الشديد.. وعند تقديم الطعام، فى صينية نحاس كبيرة ازدحمت بكافة الأطعمة الشهية يتوسطها دكر بط بلدى.. يحيطه حراسة من ثلاث دجاجات شامورت.. وضعت الصينية على الطبلية.. طبلية عمولة صنعها عم جرجس النجار (واللى ميعرفش الطبلية هى تربيزة السفرة اللى أكلنا عليها كلنا جالسين.. مربعين.. وهى عبارة عن قرصة خشب كبيرة مدورة لها أربع أرجل وارتفاعها لا يزيد على 30 سم) وتقدم صاحب الدار وقال: اتفضلوا.. البط والفراخ دول.. بلدى.. تربيتهم على إيد أم حمدى.. من أكل البيت أكلتهم.. وبسم الله دبحتهم.. وسلقتهم.. وحمرتهم.. وبسماحة نفس.. قدمتهم.. وكنا جميعاً حول الطبلية جالسين.. وعلى المحمر باصين.. وسيل اللعاب بالعين.. وبالأيدى متحفزين.. وفجأة على صوت الشاعر أمين قاعود من الحلم صاحيين.. «عارفين النعمة اللى أنتو فيها يا بنى آدمين.. » وارتفعت الأصوات: طبعاً.. طبعاً.. والحمد لله رب العالمين.. وألقى علينا مقطعاً من قصيدة عنوانها (الطبيخ) واعداً أن يلقيها علينا كاملة بعد الطعام.. «وكانت الفرخة الجميلة.. لو يوم ذبحناها فى ليلة.. تورى لعنينا العجب.. تقولش بنحمر دهب».
تخيلوا.. منظومة حياة.. فيها التوازن الطبيعى.. اللى بينادى على السميط والبيض.. والكتاكيت البلدى.. والجميل يا قصب.. وورور يا فجل ورور.. وأسن السكين أسن المقص.. كلهم على لقمة العيش متحايلين.. وصابرين.. وراضيين.. وبيقولوا بكره المولى يعدلها.. تيجوا انتوا تقولوا.. على العشش ياللا نزيلها..!!
ولا.. الست زاهية.. اللى تجاوزت الخمسين.. وبدون خلفة وهى وجوزها.. على بعض محاجيين.. كل متعتها تجيب الشوية الفراخ .. بكل حب وعشق.. تربيهم وتراعيهم وروحها فيهم.. ومعوضينها عن البنات والبنين!! ولما أعلن عن اكتشاف حالات الفيروس.. واتخذت القرارات على عجل.. يصاحبها التهويل الإعلامى!! ووقع البسطاء نهباً لإشاعة من هنا.. وأخرى من هناك.. قام جوز الست زاهية اللى مش عاوز مشاكل.. قال لها: قومى ادبحى الفراخ يا زاهية.. إحنا مش قد الغرامة.. ومع اعتراضها على الذبح.. فى بكاء وعويل.. وولولة ونحيب.. مر السكين على رقاب الدجاج المسكين.. وبعد مرور عشرة أيام على يوم النحر العظيم .. كل ليلة.. يصحو زوجها المسكين.. مذعوراً على صوت وعويل.. ولادى.. فراخى.. دبحتوهم.. يا مفتريين..!! ومن الحالات دى كتير!! فرحمة.. يا أصحاب القرارات متخذين.. بالبلدى.. وبلدى.. وأهل بلدى.. وعلشان خاطر ربنا وانتوا مجتمعين.. بالهدوء والتفكير.. حافظوا على الباقيين.