القتل الرحيم بين الإباحة والتحريم

(Euthanasia)، وترجمتها «الموت الرحيم»، هى كلمة مشتقة من اللغة اليونانية، وتعنى إنهاء حياة المريض المصاب بمرض عضال لا يرجى شفاؤه ويعانى باستمرار، ولا يوجد ما يخفف عنه هذه المعاناة. وتعتبر سويسرا أشهر دولة فى العالم فى ما يتعلق بالموت الرحيم، حيث يختار الكثير من الأجانب السفر إليها للحصول على الموت الرحيم بها، الأمر الذى أطلق معه البعض على هذه الممارسة تعبير «سياحة الانتحار». ففى سنة 2020م، اختار نحو 1300 شخص إنهاء حياتهم بشكل إرادى فى سويسرا، من خلال اللجوء إلى خدمات أكبر مُنظَمَتين متخصصتين فى الانتحار بمساعدة الغير، وهما (Exit) و(Dignitas). وفى نهاية شهر مارس الماضى، وفى مقابلة تليفزيونية لقناة (RTL) الفرنسية، صرح ابن الممثل الفرنسى الشهير «آلان ديلون»، بأن والده طلب إنهاء آلامه ومعاناته مع المرض، بالخضوع للموت الرحيم فى سويسرا، وذلك بعد تدهور حالته الصحية المستمر منذ 2019، على أثر إصابته بجلطة دماغية.

وفى الأسبوع الماضى، وفى دولة بيرو، وبعد معركة قانونية طويلة استمرت خمس سنوات، أكدت المحكمة العليا حكماً سابقاً يسمح لـ«استرادا»، وهى طبيبة نفسية تبلغ من العمر 44 عاماً، بإنهاء حياتها. وبمقتضى هذا الحكم، صادقت المحكمة العليا على قرار سابق للمحكمة يُلزم التأمين الصحى الحكومى فى بيرو بتوفير جميع الشروط للقتل الرحيم فى ما يتعلق بحالة «استرادا»، التى يجب تنفيذها خلال عشرة أيام من التاريخ الذى عبرت فيه عن رغبتها فى إنهاء حياتها. وبموجب القانون البيروفى، فإن مساعدة شخص ما على الانتحار وقتل مريض مصاب بمرض عضال تُشكل جريمة يعاقب عليها بالسجن. ولكن المحكمة العليا أعفت الطبيب الذى قدم دواءً يهدف إلى إنهاء حياة «استرادا» من أى عقوبة. ومن المقرر أن تعقد المحكمة العليا جلسة استماع نهائية للبت فى طريقة تنفيذ الحكم والجهات الطبية التى ستُشرف عليها. وتعانى «استرادا» منذ ثلاثة عقود من التهاب العضلات، وهو مرض نادر يؤدى إلى ضمور هذه العضلات، وبالتالى فقدانها القدرة على الحركة تماماً. وبسبب هذا المرض، أمضت «استرادا» معظم حياتها مستلقية على سرير متصل بجهاز تنفس ميكانيكى، وبمساعدة شبه يومية من ممرضة.

وفى بلد كاثوليكى محافظ مثل البيرو، حيث لا يزال الإجهاض وزواج المثليين غير قانونيين، يُنظر إلى قرار المحكمة على أنه علامة فارقة فى الجدل حول القتل الرحيم. وفى أمريكا اللاتينية، فإن دولة كولومبيا فقط هى التى تسمح بهذا الإجراء، ولكن بشروط معينة. وكانت هولندا الدولة الأولى فى العالم التى تجيز القتل الرحيم، وحدث ذلك فى عام 2002م، وحذت حذوها بلجيكا بعد عدة أشهر، وتبعها بعد ذلك الكثير من البلدان مع مراعاة بعض الشروط الصارمة.

والواقع أن المؤسسات الدينية فى الأديان السماوية الثلاثة تعارض الموت الرحيم، معتبرة إياه عملاً من أعمال القتل، لا يمكن تبريره أو التسامح معه. ففى شهر يناير 2018م، رأى البابا فرنسيس الأول أن القتل الرحيم لا يمكن أن يُعد خياراً حضارياً، وأن كرامة الإنسان لا تُمس. وفى شهر سبتمبر 2020م، أصدر الفاتيكان وثيقة جديدة بهذا الشأن فى وقت تتزايد فيه أعداد الدول التى تفكر فى إضفاء الشرعية على القتل الرحيم ومساعدة المريض على الانتحار. ووصفت الوثيقة المشرعين والساسة المؤيدين لمثل هذه القوانين بأنهم متواطئون فى ارتكاب جرائم. والوثيقة مؤلفة من عشرين صفحة، وصدرت بعنوان «السامرى الصالح»، وكتبها مجمع عقيدة الإيمان، وهو المكتب العقائدى التابع للفاتيكان، وجمعت بيانات سابقة لكنيسة الروم الكاثوليك حول قضايا إنهاء الحياة، لكنها استخدمت تعبيرات أشد قوة وصرامة. وأكدت الوثيقة بشكل واضح وصريح أن «القتل الرحيم.. عمل شرير فى جوهره.. فى كل الأحوال والظروف.. القتل الرحيم هو فعل من أفعال القتل لا يمكن لأى غاية أن تبرره». ومع ذلك، وفى السادس عشر من نوفمبر 2017م، قال البابا فرنسيس إنه رغم أن القتل الرحيم هو «دائماً خطأ»، إلا أن وقف علاج مرضى يحتضرون يُحتمل أن يكون جائزاً فى بعض الحالات. وفى رسالة لمؤتمر الجمعية الطبية العالمية الذى استضافه الفاتيكان حول القضية، أوضح البابا أن المبدأ الكاثوليكى الخاص بحرمة الروح لا يبرّر «العلاج المفرط» للمصابين بمرض عضال لا أمل فى الشفاء منه.

وعلى المنوال ذاته، أكد علماء الأزهر رفضهم للقتل الرحيم أو القتل بدافع الشفقة، مؤكدين أن مثل هذه العمليات تعد جريمة قتل موجبة للقصاص. ومع ذلك، فقد أيّد بعض العلماء رفع أجهزة التنفس الصناعى عن المريض الميؤوس من شفائه، لاسيما إذا كانت أسرته لا تملك تكلفة بقاء هذه الأجهزة وأقر الأطباء بموته، كما هو الشأن بالنسبة للمريض الميت إكلينيكياً. وفى جميع الأحوال، يُشترط فى هذه الحالة ألا يتدخل الطبيب تدخلاً إيجابياً فى هذه المسألة، كأن يعطى المريض جرعة عالية للتعجيل بوفاته أو نحو ذلك.