إلا الأزهر

يبدو أنّ عُصبة أبت إلا أن تغتال الأزهر الشريف. نعم، اغتيال معنوى يُفسح الطريق أمام مخططات حيكت منذ أمد بعيد، حين أحسّ المحتل بما للأزهر من مكانة فى قلوب المصريين أولاً وفى قلوب الأمة العربية والإسلامية ثانياً، حين علم أن الأزهر الشريف يمثل عقبة فى طريق تحقيق مآرب الناقمين على مصر واستقرارها، الطامعين فى خيرها وثرائها، فقديماً هو الذى حرّك حماسة المصريين فى وجه المحتل الغاشم، وواجه نابليون بونابرت، وأشعل ثورة المصريين فى مقاومة كل مَن فكر فى النيل من مصر وشعبها، وسعى لرفع الظلم عن كاهل الفقراء والمظلومين، واختار محمد على باشا ليكون والياً على مصر وأخذ عليه العهود والمواثيق ليقيم العدل ويعمل لنهضة مصر وريادتها وقدم العديد من الشهداء، فى مقدمتهم سليمان الحلبى فداء لاستقلال مصر واستقرارها. لن ينسى أذناب الاحتلال ما للأزهر من دور فى الحفاظ على وحدة الوطن وسلامة نسيجه من الفُرقة والتمزق، حين وقف القمص سرجيوس خطيباً من فوق منبره فى ثورة 1919م ليعلن وقوف المصريين أمام الإنجليز، وليؤكد حقيقة يجهلها المناوئون للأزهر، أنّ المصريين أمة واحدة لا تقبل التقسيم ولا التجزئة، وهو ما أكده الأزهر اليوم ويؤكده كل يوم، فما بيت العائلة، الذى أسسه الأزهر، ودوره عن أعين الناظرين ببعيد، وما قدّمه فى ثورتى الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو ووقوفه بجانب الشعب المصرى وجيشه الباسل يؤكد حقيقة ستبقى راسخة فى دماء الشعب المصرى وأبناء الأزهر المخلصين الأوفياء هى: أنّ الأزهر لمصر كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن. نعم، هذه حقيقة لا بد أن يدركها المصريون الآن، أنّ الإساءة للأزهر وعلمائه وأبنائه إساءةٌ لمصر وشعبها الأبىّ فى القديم والحديث، وأنّ الاغتيال المعنوى للمخلصين فى تلك المؤسسة يهدف لتحقيق مآرب الحاقدين على مصر واستقرارها. إننى حين أسمع وأشاهد تلك الإساءات التى تترى هذه الأيام لهذا المعهد العريق الذى تربيت بين جدرانه وتلقيت العلم فى فنائه يُلمَز بألسنة حدادٍ أشحّةٍ على الخير وتتقوّل عليه ما ليس فيه، أعجب، فأقول: أفبعدَ عام ونصف والبلد يحارب الإرهاب ويقدم العديد من الشهداء وخفى على أجهزة الدولة القوية ما بداخل المشيخة من قيادات إخوانية واليوم يُبصِّرهم من لا بصيرة له؟ ولماذا سكت هذه المدة عن الحديث عنهم وكشف حقيقتهم؟ أم أنه كان فى غفلة عنهم واكتشف أمرهم الآن؟ أفغاب عن هذا وأمثاله وقفة الشيخ الجليل الإمام الأكبر أحمد الطيب إلى جوار المشير والبابا تواضروس الثانى ورموز مصر السياسية فى الثالث من يوليو 2013 ليعلنوا للدنيا كلها استقلال مصر من حكم جماعة إرهابية أبت إلا اغتيال مصر وشعبها؟ إنّ هذا لشىء غريب. تُرى ما السبب فى هذه الهجمة الشرسة على هذه المؤسسة والقائمين عليها؟ ومَن المستفيد من شقّ وحدة وتماسك هذه المؤسسة؟ إنّ ضرب هذا المؤسسة ضربٌ لأمن مصر القومى وهدم لقوة من قوى مصر الناعمة، وهذا يعلمه أهل الخبرة من السياسيين المتمرسين وقادتها المخلصين، وهو إفساح لقوى الإرهاب وجماعات الإلحاد والفساد لتعبث بهذا البلد واستقراره، وضياع لتاريخه الضارب فى الأعماق، وإلا فحدثونى واسألوا العالم: ماذا تعنى مصر بدون الأزهر؟ يا هذا، ألم تأتِ يوماً إلى دول أفريقيا وآسيا فتسأل عن الأزهر؟ أولم تسمع وتقرأ عن ساسة وقادة تخرجوا من أزهرنا العامر وكانوا خير ساسة لشعوبهم؟ إنّ مَن سافر خارج مصر وأراد أن يتحدث عن مصر فبأى شىء سيتحدث؟ سيقول مصر تعنى الأهرامات، النيل، الشعب الطيب، الأزهر الشريف قبلة العلم والعلماء، الكنيسة مهد الدين المسيحى، الفن بأسلوبه الراقى. هذه هى مصر بأركانها وسماتها التى إذا فقدت ركناً منها فلن تصبح مصر. لأجل هذا أقول: إلا الأزهر، إلا الأزهر.