لقاء العلمين.. التنسيق السياسى وربط الاقتصادات العربية
فى سياق دور مصر المتنامى منذ 2014 على كلا الصعيدين الدولى والعربى تأتى المبادرة إلى احتضان اللقاءات بين قادة الدول العربية. هذه اللقاءات تتضاعف أهميتها مع تصاعد التوتر الدولى وتداول التهديد بكلمات «حروب» و«نووى» بكل ما تلقيها من تهديد السلام الدولى وآثاره السلبية على المنطقة العربية. رغم تصدر الاقتصاد المرتبة الأولى فى الاهتمام العالمى، إلا أن الشراكة الصناعية والاتفاقيات التجارية التى عُقِدت منذ عامين بين دول مصر، العراق، الإمارات، البحرين، الأردن.. هى نتيجة لما هو أعمق من مجرد فكرة التكامل الاقتصادى الذى ظل حلماً بين الدول العربية على غرار السوق الأوروبية المشتركة.. فالتقارب السياسى بين الدول الخمس يشكل فى مضمونه استجابة عربية للمتغيرات الدولية، تحديداً طريقة تعامل الدول الكبرى مع قضايا المنطقة حتى فى الدول غير الموجودة بشكل مباشر فى اللقاء الأخوى بين قادة الدول الخمس فى مدينة العلمين الجديدة. أبرز هذه المكتسبات خروج الموقف العربى من دائرة ردود الفعل إلى حالة المبادرة والقدرة على وضع رؤية للمنطقة تضمن مصالح شعوبها أمام مسرح عالمى تتصاعد فيه النُذُر بالتصعيدات العسكرية. تحديداً فى معالم أفق دولى إقليمى لم يعد يدور فى فلك قوة انفرادية تتحكم فى رسم الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية.. ما يفرض فى المقابل أهمية وجود صيغة عمل عربى مشترك.
اللقاءات المتكررة بين قادة ومسئولى هذه الدول قطعاً لن يغيب عنها التعاطى مع إيجاد حلول ذاتية لتهدئة الأوضاع المضطربة فى عدد من دول المنطقة. الجمود السياسى الذى خيم على المشهد العراقى منذ إجراء انتخابات أكتوبر 2021 ودفع المسار إلى مواجهة بين طرف بدأ برفع كل مطالب الشارع العراقى وتتلخص فى إنهاء التبعية، اجتثاث الفساد، وضع حد لوجود الميليشيات المسلحة رافضاً كل الوجوه السياسية الفاسدة التى تسببت فى تجذر الأزمات الكارثية التى تعصف باستقرار العراق.. وهو ما دعا إليه تيار الزعيم الشيعى مقتدى الصدر الذى لم يشفع امتلاكه الشارع فى أنه بدأ يخسر أوراقه بعدما أخطأ فى توجيه أتباعه إلى مهاجمة القضاء. فى مقابل طرف يجمع أحزاباً وكتلاً تتجه قبلة ولاءاتها نحو جهات إقليمية بعيداً عن كل ما يمثل مصالح العراق.. رغم ذلك يصر على التمسك بالسلطة رغم إقصاء الناخب العراقى لكل التحالفات التى شكلها هذا الطرف فى محاولة للمراوغة تمكّنه من البقاء فى السلطة.. بالتالى تراجعت فكرة المشروع السياسى الوطنى أمام احتدام الصراع وتبادل الاتهامات بين الطرفين.
تحت تهديد اللجوء إلى السلاح ودعم التنظيمات التكفيرية، يصر أحد الأطراف السياسية فى ليبيا على عدم تغليب صالح الشعب الليبى والوصول إلى تسوية سياسية تضمن عودة الاستقرار، إذ تبقى مخاوف التصعيد المسلح أمام تعنت حكومة عبدالحميد الدبيبة وخروجها عن مهمتها الأساسية فى إدارة الأزمة وإجراء انتخابات إلى دوامة التورط فى صراعات وقضايا خلافية حول قبول حكومة فتحى باشاغا المكلفة من مجلس النواب الليبى. اضطراب المشهد السودانى أيضاً تحيطه مخاوف عرقلة الجهود المبذولة للوصول إلى تسوية. فى أبريل 2019 أنهى السودانيون حكم جماعة الإخوان بعدما أمضى التنظيم ثلاثة عقود فى السلطة. منذ ذلك التاريخ، اعتمد الإخوان كل الوسائل التى تمكّن لهم العودة إلى السلطة.. افتعال النزاعات القبلية، زرع الفتن، الاجتهاد فى شراء بعض زعماء ومشايخ القبائل فى المناطق المختلفة. حتى إن قوى الحرية والتغيير فى السودان وجهت صراحة أصابع الاتهام إلى تنظيم الإخوان الذى يسعى للعودة إلى السلطة عبر تأجيج الصراعات القبلية.
الدعوة المصرية إلى اللقاء الأخوى يوم الاثنين الماضى وما سبقه من لقاءات خلال الأعوام الماضية جمعت بين دائرة التنسيق السياسى وربط اقتصادات الدول العربية مع بعضها البعض، ما يشكل عاملاً فعّالاً لسد الثغرات التى واجهت العديد من التحالفات العربية السابقة.. إذ كلما كانت الفوائد الاقتصادية لها مردود إيجابى على الشعوب، كانت التحالفات أقدر على التأثير والاستمرار.