بيوت الخبرة هى الحل

مصر جسد كبير بلا عقل.. هذا هو التوصيف الذى يصف اللحظة الراهنة بلا أى درجة من المبالغة. مصر مقطورة كبيرة محملة بأطنان من الحديد يجرها «توك توك» صغير جداً. مصر هى قصر كبير ملىء بعشرات من أجهزة التكييف، وعشرات من السخانات، وكل الأجهزة الكهربائية والكماليات، والنجف الكبير جداً، وكلها تعمل على خط كهرباء واحد، و«متوصلة» على عداد «واحد فاز فقط». وطبيعى ألا تعمل هذه الأجهزة، وإن عملت فمصيرها «الاحتراق الفورى». مصر بلد حجمه كبير، ولكن عدد العقول التى تعمل به قليل، وإن عملت فهى تعمل فى مسارات متفرقة، وفى اتجاهات متعارضة، والنتيجة النهائية هى الوقوف محلك سر، وعدم مغادرة المربع رقم صفر فى كثير مما نعمل. والسبب فى هذا كله يكمن فى عدم وجود بيوت الخبرة. مصر لا يوجد بها بيوت خبرة تتساوى مع قيمتها ولا مع حجم مشاكلها، وإن وُجدت فهى معطلة بحكم الإهمال، أو بسبب عدم الاعتقاد فى أهميتها. فى كل دول العالم توجد بيوت الخبرة، أو ما يطلق عليه Think Tanks، وهى التى تمد متخذى القرار وصانعى السياسات بالحلول البديلة لكل مشكلات المجتمع. متخذو القرار والحكومات ليس لديهم رفاهية إضاعة الوقت فى التفكير، ولا فى البحث عن الطرق الفعالة لحل أى مشكلة.. فهذه الخطوة تحتاج إلى دراسات متعمقة تحتاج إلى سنوات طويلة، وتحتاج إلى فرَق عمل دائمة ومتخصصة تكلف مبالغ طائلة، وسنوات الحكم محدودة، ولذا وجب عليها أن تأخذ هذه الحلول والبدائل الجاهزة، والمجربة، والمضمونة النتائج.. الحكومة التى تفكر وتضع البدائل من عندها تعجز فى الغالب عن التطبيق، لأنها «تجرب»، والشعوب ليست معامل تجارب، والشعوب لا تنتظر، وصبرها قليل، إن لم يكن لديك حلول جاهزة وعملية ومضمونة فلا تسعَ إلى الحكم ولا تفكر فى الاقتراب من هذه الدائرة.. وبيوت الخبرة تلعب هذا الدور الخطير فى كل بلاد العالم المتقدمة. فى الولايات المتحدة توجد مئات من بيوت الخبرة فى كل المجالات وفى جميع التخصصات.. الحكومة أو الإدارة عليها فقط أن تختار من بين البدائل التى تضعها بيوت الخبرة هذه. فى العاصمة واشنطن يوجد عشرات من هذه البيوت، مثل معهد بروكينجز، وكارنيجى، وراند، وبيو، وويسلون، وكاتو وغيرها.. منها المتخصص فى العلاقات الدولية، ومنها المتخصص فى الاقتصاد، ومنها المتخصص فى الرأى العام، ومنها المتخصص فى السياسات العامة.. وكلها تصب فى خدمة الإدارة الأمريكية، وفى خدمة الشعب الأمريكى. فى بريطانيا توجد عشرات من بيوت الخبرة مثل ريفورم، وبولسى إكستشانج، وغيرها.. وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد الأوروبى الذى يخدّم عليه عشرات من بيوت الخبرة، المتخصصة فى كافة شئون الاتحاد. فى مصر، يوجد عديد من بيوت الخبرة، ولكن عوامل الزمن والتعرية قد أثّرت سلباً عليها.. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية كان واحداً منها، لكنه فى سنواته الأخيرة أصابه بعض الوهن، وكذلك الأمر بالنسبة للمجالس القومية المتخصصة التى كانت تضم نخبة من عقول مصر فى كل المجالات، وتم حله منذ سنوات، وكذلك المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية الذى يحول ضعف الإمكانيات المادية دون قيامه بدوره المأمول.. أما مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، فهو يحتاج إلى هزة، ويحتاج إلى «إفاقة» قبل أن يصبح أثراً بعد عين. على قدر مشكلات مصر تحتاج إلى بيوت خبرة، وعلى قدر تعدد مناحى الحياة فيها تحتاج مراكز متخصصة تعمل على إيجاد الحلول العملية والمضمونة. وليس أمام الحكومة، أياً كان رئيسها، سوى المفاضلة بين الحلول التى تقدمها بيوت الخبرة. وبالتأكيد فإننا لا نحتاج فى هذا التوقيت إلى إعادة اختراع العجلة.. نحتاج إما إلى شراء عجلة جديدة، أو محاولة إصلاح العجلة القائمة.