الرحمة لمن علمني أن أزرع شجرة

أتذكر ذلك اليوم شديد الحرارة قبل 20 عامًا، عندما دعاني عمي وكبير عائلة الشيخ الليثي، الشيخ فكري رحمه الله، وحدثني عن قيمة زراعة الشجر وأهميته، خصوصًا في شوارع الصعيد التي تلهبها أشعة الشمس، وتطارد المترجلين، خصوصًا في غدوهم ورواحهم.

وقتها كان رحمه الله قد تبنى تأسيس مسجد المنطقة التي كنا نقطن بها، ودعاني للمشاركة في تشجير الشوارع المحيطة بالمسجد، شاركت بالفعل لكنني قررت زراعة الشجرة التي اشتريتها من مصروفي الخاص بمكان قريب من المقابر، حيث يتجمع أهالي القرية هناك ولا يتحملون لهيب الشمس.

ربما يكون الرأي اختلف وقتها بيني كشاب في مقتبل العمر وبين عمي صاحب الخبرة الطويلة في الحياة، وحزنت لأنني لم أكن أمتلك مالاً أكثر لشراء المزيد من الشجر، لكن أهل القرية سارعوا بعدها في استجابة لمبادرة عمي، رحمه الله، والتي بدأها بنفسه وبشباب العائلة، واستكملوا ما بدأناه.

وخلال سنوات قليلة تحولت شوارع القرية التي كانت مثل الصحراء الجرداء - رغم قربنا من شريان النيل المتدفق باستمرار، حيث يبعد عن قريتنا أقل من كيلو متر - تحولت إلى جنة خضراء تقي جميع أهالي القرية حر الصيف الشديد وتجعلهم جميعًا يتنفسون الهواء البكر الذي لم تطله أيادي التلوث.

بعد سنواتٍ عدةٍ رحل عن دنيانا عمي الذي علمني كل شيء جميل في هذه الدنيا، والمفارقة أنه دُفن على بعد أمتار قليلة من الشجرة التي كنت قد زرعتها في مكان آخر غير المكان الذي طلب منه أن أزرع الشجرة فيه، وباتت الشجرة مكانًا يستظل به كل من يزور قبر عمي وكبير العائلة ليقرأ له الفاتحة ويدعو له بالرحمة.

والآن.. باتت الشجرة التي زرعتها قبل أن أكمل العشرين ربيعًا واحة من الخضرة على مدخل المنطقة التي تقطن بها العائلة، يستظل بها وبما جاورها من شجر كثير المئات من الأقارب والجيران، ربما كثير منهم لا يعلم من زرعها ولا من رواها ورعاها لكي تصل إلى هذا المشهد الرائع.

لا يهم أن يعلموا من قام بهذا، ولكن المهم أن يستمتعوا بظلها وأن يفعلوا ما فعلناه قبل سنوات، لكي تتحول بلدنا إلى جنة خضراء، يعيش عليها شعب كريم يستحق هذا الجمال.

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع الحراك الرائع في مصر هذه الأيام والدعوات الواسعة للتحول الأخضر من أجل إنقاذ الكوكب، وهي جهود تتواكب مع استضافة مصر لقمة المناخ (كوب 27) في مدينة السلام شرم الشيخ.

هنا أيضًا في بيتي (جريدة الوطن) يقوم الزملاء بجهود جبارة لتوعية المواطنين بأهمية التحول للأخضر، برؤية وقيادة مميزة للكاتب الكبير أحمد الخطيب، رئيس التحرير، وبجهد دؤوب من جميع الزملاء، نتشارك الفكرة تلو الفكرة، ونتقدم بخطى ملموسة، ليستفيد الجميع.

هكذا تعلمنا منذ الصغر.. وهكذا نكمل ونعلم الأجيال المقبلة، فرحمة الله لعمي ومعلمي الشيخ فكري، ويبقى لنا وللأجيال المقبلة حصاد ما زرعناه بأيدينا.