م الآخر| السلطة والتغيير وحرب الوجود.. "باب الخروج الآمن"

كتب: إمام أحمد

م الآخر| السلطة والتغيير وحرب الوجود.. "باب الخروج الآمن"

م الآخر| السلطة والتغيير وحرب الوجود.. "باب الخروج الآمن"

ثنائية "السلطة والتغيير" التي احتدم الصراع بين طرفيها خلال العقد الأول من الألفية الثالثة في عدة دول عربية، في مقدمتها مصر، حتى تفجرّت مع ثورات الربيع العربي، سرعان ما اقتحم إليها عنصر ثالث تحوّل معه "الربيع" إلى "خريف أسود" يهدد وجود الدول، وليس الأنظمة الحاكمة فحسب، ذلك بصعود جماعات الإسلام السياسي المتطرف وتنامي قوتها وتمددها المستمر. وسواء كانت تلك الجماعات وليدة بيئة سياسية واجتماعية داخلية، أو صنيعة من قوى الشر في الخارج، أو مزجٌ بين الأمرين - والأخير أقرب عندي - تظل النتيجة واحدة، هي أن الدولة الحديثة، بسلطتها القائمة وقوى التغيير الجديدة، على حدٍ سواء، صارت في خطر عظيم. خلال أحد لقاءاته التليفزيونية قبل انتخابات الرئاسة الماضية، يقول المرشح وقتها، المشير المستقيل، عبدالفتاح السيسي: "مصر تواجه حرب وجود مع تيارات تؤمن بحتمية المواجهة"، مرّت العبارة التي قالها بنظرةٍ حادة ونبرةٍ نابهة، دون أن يتوقف كثيرون سواء من مؤيدي أو معارضي الرجل، تمامًا كما لم يتوقف الإعلاميان اللذان كانا يحاورانه، لكنه عقب نجاحه في الانتخابات عاد يستخدم المصطلح مجددًا، وربما لا يفوّت خطابًا أو لِقاءً، إلا وأكد دائمًا: "مصر في حرب وجود". الحقيقة التي أقرّها الرئيس المصري بعد 30 يونيو، لا يغفلها إلا غافل، مُغيّب، عديم الرؤية والنظر، وليس تأكيداً على الأمر أكثر مما تعانيه الأخوات: بغداد، ودمشق، وصنعاء، وطرابلس، اليوم، والخطر الذي يحدق بالأخريات ليرمي شباكه على أقرب فريسة، في أقرب غد. المسألة إذا ليست محاولة لـ"صناعة الخوف"، تلك البضاعة السلطوية التي ظلت رائجة في بيئتنا العربية لسنينٍ طويلة، إنما واقع قائم ومحيط، نتيجة تغييرات دراماتيكية سريعة ومتلاحقة، وإرث سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ثقيل ومشوه. طبيعة الصراع تغيّرت، وصارت أشد تعقيدًا وأكثر خطرًا عما مضى، فالإشكالية الثنائية القديمة تطورت إلى إشكالية ثلاثية الصراع: السلطة التقليدية الممثلة للدولة التي تستمد قوتها من الماضي وتملك وتحكم وترغب في البقاء، قوى التغيير الناشئة الممثلة لآمال وطموحات ومصالح جديدة التي تستمد قوتها من المستقبل وترغب في الصعود، الجماعات التي تخوض حربًا صفرية تتجاوز فيها القوتين السابقتين، في إطار سعيها لتجاوز مشروعية الدولة نفسها، لتحل بديلاً عن الجميع. والأخيرة لا ماضٍ لها ولا مستقبل يعطيها قوة أو شرعية، إنما تستمد قوتها وشرعيتها "شرعية الأمر الواقع"، من تناحر وتصادم القوتين السابقتين، على ما فيهما من ضعف، ما خلق مساحة كبيرة من الفراغ سمح بتسلل، ثم تنامي، ثم تمدد شبح الراديكاليين الجدد! الخيارُ واحد إذا، خيارٌ إجباريٌ. على الجميع أن يرضى به، ويصدق فيه، ويعمل لأجله، يتمثل في موائمة "حسنة النوايا" بين شرعية الماضي، وشرعية المستقبل، موائمةٌ تتخلى فيها السلطة عن الوجوه القديمة الفاسدة، وتتخلى فيها قوى التغيير عن الوجوه غير المسئولة.. تتنازل فيها الأولى عن احتكارها الذي لم يعد مجديًا، وتتنازل فيها الثانية عن نزوعها نحو احتكار مماثل.. تعي فيها الأولى مفاهيم كالشفافية والتعددية والمشاركة لم يعد من المقبول تجاهلها، وتعي فيها الثانية معايير الأمن القومي وسيادة الدولة والقانون. تحالف السلطة "الرشيدة" وقوى التغيير "الواعية"، وفق خطوات إصلاحية، متدرجة، جادة، حتى وإن كانت شديدة البطء، بعيدًا عن التطلعات العرجاء لإعادة إنتاج ماضٍ مضى، أو أحلام المراهقة الهزيلة الهزلية بإحداث تغيير جذري يعيد ترتيب البيت بين ليليةٍ وضحاها. ذلك لأولي الألباب هو باب الخروج الآمن وقارب النجاة الوحيد، وتبدو مصر أكثر من غيرها، قادرة على بناء هذا التحالف، وتصدير هذه التجربة إلى بقيّة الدول العربية الأخرى، التي لم يُطرق الطوفانُ أبوابَها بعد.