النجاح خارجياً يتطلب ثورة فى ثقافة العمل المصرية

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

يحتل الفضاء الخارجى مساحة لا بأس بها من اهتمامات الرئيس السيسى، ففى الأسبوع الماضى كان فى الصين، وفى الأسبوع المقبل سيزور الكويت، وبينهما التقى وزير خارجية إسبانيا الذى قدم له دعوة لزيارة بلاده، كما التقى رئيس جمهورية الصومال حسن شيخ محمود، وفى كل خطوة هناك مصلحة مصرية مؤكدة، منها الاقتصادى ومنها السياسى ومنها الأمنى. والشخوص الذين التقى بهم «السيسى» تنوعت جنسياتهم من صينية إلى إسبانية إلى صومالية إلى عربية كويتية، أو بمعنى آخر من أقصى الشرق إلى أقصى جنوب غرب أوروبا مروراً بالخليج والقرن الأفريقى. الشخوص والجنسيات والقضايا تعطينا فكرة عن استعادة الروح لمصر خارجياً. ويذكر هنا أن د. بطرس غالى، وحين كان وزير دولة للشئون الخارجية نهاية عهد الرئيس السادات وبداية عهد الرئيس الأسبق مبارك كان قد أطلق عبارة السياسة الخارجية المصرية فى خدمة التنمية، ثم طور الفكرة لاحقاً فى منتصف الثمانينات إلى أن السياسة الخارجية فى خدمة التنمية والأمن، وقيل وقتها، وكان الأمر صحيحاً، أن العبارتين قدمتا إطاراً نظرياً عاماً لحركة الدبلوماسية المصرية. جمع بين حشد الموارد الخارجية للاستثمار وبما يعود على التنمية فى الداخل، وذلك من خلال تحركات واعية تجاه الدول الأكثر تأثيراً والأكثر قدرة على توفير التمويل والتكنولوجيا وصاحبة الأسواق الأكثر نشاطاً واتساعاً، وبحيث إذا فتحت أسواقها للمنتجات المصرية تتحقق مصلحة مشتركة للجانبين. إذا نظرنا للتحركات الخارجية للرئيس السيسى فى الأشهر الأربعة الماضية، سوف نجد أنها اهتمت بتحقيق عدد مهم من الأهداف الكبرى، الأول جذب الاستثمارات والتكنولوجيا المتوافقة مع الاحتياجات والقدرات المصرية، وهو ما ظهر فى توقيع ما يقرب من 30 اتفاقية وبروتوكول تعاون مع الحكومة الصينية وكبريات الشركات الصينية، غطت مساحة واسعة جداً من بناء الطرق وإقامة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية والمدن الجديدة والسكك الحديدية الحديثة. الثانى: وفيه تحييد الآثار السلبية التى نتجت عن تراجع أداء السياسة الخارجية تجاه أفريقيا فى السنوات الأخيرة لحكم مبارك، مما ترتب عليه أزمة ثقة حادة مع إثيوبيا تحديداً، وكان مطلوباً بقوة التخلص منها، وهو ما نشهد حدوثه الآن. الثالث: جهد مكثف ومتتالٍ يستهدف تحييد الآثار السلبية للخلافات العربية - العربية عبر قبول مصالحات مشروطة بعدم التدخل فى الشأن الداخلى لمصر ومراعاة الأمن القومى العربى والوطنى معاً، كما تراعى أيضاً أن مصر مقبلة على استضافة القمة العربية فى مارس المقبل. رابعاً: تأمين مصالح المصريين فى الخارج وحل مشكلاتهم فى ضوء التطورات التى تمر بها الدول التى تستضيف الجاليات المصرية، وهنا جاء التحرك متكرراً ومتصاعداً مع الحكومة الشرعية الليبية، والتنسيق مع الدول العربية الشقيقة التى تتعرض الآن لتراجع فى الدخل العام، وبحيث لا تتأثر مصالح المصريين فى تلك البلدان بأية إجراءات محلية تضيف ضغوطاً على العمالة المصرية والتى غالبيتها عمالة من البسطاء. خامساً: السعى لإحياء مفهوم الأمن القومى بطريقة عملية تقوم على تعزيز الارتباطات الأمنية والدفاعية مع الدول العربية الراغبة فى ذلك سواء فى صورة تدريبات مشتركة أو تنسيق سياسى واستخباراتى ومعلوماتى وتحركات محددة بدقة لمعالجة الأحداث التى تتعرض لها بعض الدول العربية من فوضى وإرهاب وبزوغ محاولات لتقسيم البلاد، فمع الجزائر هناك إطار عملى يتقاسم فيه البلدان التحركات المختلفة لاحتواء حالة الفوضى فى ليبيا، وفى سوريا تشارك مصر مع روسيا فى التمهيد لتحرك كبير يتيح إنهاء المأساة السورية، وفى العراق هناك تنسيق متعدد المستويات لمواجهة تنظيم داعش الإرهابى. مع ملاحظة أن مصر لا تتحدث عن مبادرة مكتملة الأركان خاصة بها، ولكنها تشارك فى كل الجهود التى تُبذل وتخص تلك الحالات، وحين تنضج ظروف خاصة لإطلاق مبادرة، تتحرك مصر بثقة واقتدار، وهو ما حدث بالفعل فى حالة العدوان الإسرائيلى على غزة. وقد يرى البعض أن ربط التحركات الخارجية الحالية بمبادئ وأطر نظرية فضفاضة كانت موجودة منذ أربعة عقود يعنى أن الثورة لم تغير شيئاً، وهو قول يتسم بالتسطيح وعدم فهم طبيعة العلاقات الدولية بوجه عام، كما أنه لا يدرك معنى أن المصالح العليا الدائمة للدولة تظل مؤثرة مهما تغيرت النظم، وتتضمن هذه المصالح العليا حماية الأرض والموارد وهوية المجتمع والنظام العام ودرء التهديدات أولاً بأول، وبعبارة أخرى فإن حركة مصر الخارجية على النحو السابق تعنى أن هناك دولة تديرها مؤسسات، ولها مصالح عليا تسعى إلى تحقيقها وفقاً للظروف والإمكانيات وطبيعة التحديات التى تظهر فى كل مرحلة زمنية، كما تعنى أن الأمر ليس بالضجيج ولا بالنظريات السياسية البراقة، وإنما بالهدف الواقعى المطلوب تحقيقه، وباستنفار كل الطاقات المتوافرة وصولاً إلى هذا الهدف، لكن يظل هناك استطراد مهم، ويتعلق بأن النجاح فى تحقيق أهداف التحركات الخارجية فى التنمية والأمن يعتمد أساساً على مدى تجاوب المجتمع فى الداخل، وعلى مدى توافر الطاقات والنظم والكفاءات البشرية وقدرتها على الاستفادة لما يتم جذبه من استثمارات أو مشروعات من الخارج، وكذلك فى مدى دعم الداخل وصبره على العائد المنتظر لمثل هذه الاستثمارات المقبلة من الخارج. وبالرغم من أن مصر لديها طاقة عمل جبارة، وكمٌ من الخبرات والكفاءات، لكنها تحتاج إلى إصلاحات كبرى، وأهم هذه الإصلاحات المطلوبة تتعلق بثقافة العمل. وليس هناك أية إساءة إذا اعترفنا بأن طاقة العمل المتوافرة فى مصر تتيح أضعاف الإنتاج القائم بالفعل الذى هو متدنٍ كثيراً، ومثل هذا الفارق يعود إلى غياب الانضباط الإدارى وإلى شيوع ثقافة «الفهلوة» ومحدودية التركيز فى الأداء، والتحايل على متطلبات العمل نفسه، وعدم الاهتمام بقيمة الوقت، والفردية فى الأداء، وغياب أو محدودية معايير العمل الجماعى وغياب روح الفريق، والمنافسة المصطنعة وافتعال الصراعات التى يبرع فيها البعض بين الإدارة العليا وفرق العمل فى المستويات المختلفة، والنتيجة لكل ذلك هى قلة الحصيلة الفعلية لطاقة العمل المتوافرة بالفعل، وأعتقد جازماً أنه مهما كانت هناك استثمارات ومشروعات تنموية جبارة قد تأتى من التحركات الخارجية، وطالما استمرت ثقافة العمل المصرية على ما هى عليه، فسوف تفقد مصر الكثير من عائد هذه المشروعات. وخلاصة الأمر أن جهاز العمل فى الدولة المصرية بحاجة إلى ثورة كبرى.