الوسواس (قصة قصيرة)
الوسواس (قصة قصيرة)
تسللت أشعة الشمس عبر نافذة الميكروباص المتجه إلى فيصل.. كان «بهجت»، الرجل الثلاثيني الذي يرتدي نظارة طبية وقد غزا الصلع ربع رأسه، في طريقه إلى الشقة التي يتفقَّدها كل أسبوع، فهو ما زال يعيش ببيت العائلة في حي سيدنا الحسين، أما شقة فيصل فلم يأتِ موعد العيش فيها بعد.. ربما ينتظر بهجت -الموظف الحكومي- ظهور «بنت الحلال» التي ستعيش معه تحت سقف هذه الشقة!
كان سائق الميكروباص شابًا لم يتجاوز العشرين من عمره.. أجعد الشعر.. والسيجارة تتدلى من فمه والدخان يتطاير منها كدخان قطار الفحم، وأخذ السائق يأكل المطبات أكلًا فيتمايل الركاب ويتطايرون من فوق مقاعدهم حتى كادت رؤوسهم تخترق سقف الميكروباص.
«حاسب يا أسطى.. على مهلك.. هتموتنا ولا إيه؟.. خلاص يا حضرات محصلش حاجة»، مشادة كلامية نشبت بين السائق والركاب.
ورغم هذه المشادة إلا أن «بهجت» كان شاردًا بخياله وراح يحدث نفسه متسائلًا: «هو أنا قفلت باب الشقة قبل ما أنزل ولا لأ؟».. والتقى حاجباه في قلق وحيرة، وقبل أن يتمكن الوسواس منه تمتم قائلا بارتياح: «آه قفلته قفلته.. ساعة لما كنت بفكر في طاجن المكرونة اللي كلته إمبارح.. الحمد لله».
في الواقع، رحلة «بهجت» مع الوساوس والشكوك بعيدة وقديمة.. فهو يذكر ذلك اليوم عندما كان طالبا في الجامعة وظل يسأل نفسه بعد الخروج من لجنة الامتحان «هو أنا كتبت اسمي على ورقة الامتحان ولا لأ؟».. لدرجة أنه فكر جديًا في العودة إلى المراقب ليتأكد بنفسه من ذلك!!
«فيصل والآخر يا حضرات»، بهذه الكلمات صاح السائق الشاب معلنًا انتهاء الرحلة التي حمد ركابها الله على وصولهم سالمين بعد وجبة دسمة من المطبات والطرق غير الممهدة.. والسائق المتهور.
وراح «بهجت» يخطو في الطريق إلى شقة فيصل، وكان عبارة عن حارة ليست بالواسعة ولا الضيقة، فعلى الجانبين تجد السيارات المركونة، وفي المنتصف طريق بالكاد يتسع لمرور سيارة واحدة أخرى أو أحد المارة.
وكان «بهجت» في هذا الوقت المبكر هو المار الوحيد، مع بعض اليمام الذي هبط للتو من أجل جلب الرزق، وعلى السيارات المركونة جلست القطط وكأنها مجموعة من «الناضورجية» تراقب الداخل والخارج من الحارة!!
وبعد اجتياز حوالي خمس عمارات وصل «بهجت» إلى العمارة المنشودة التي فيها شقته.. «حمد الله على سلامتي» وراح يطلق صفيرًا متقطعًا أثناء صعوده على السلم، ليصل إلى الشقة التي كانت في الطابق الأول ويدس المفتاح داخل الكالون ويدخل.
كانت الشقة خالية من الأثاث والإضاءة.. اللهم إلا لمبة المطبخ التي كانت مصدر الإضاءة الوحيد في الشقة.. أما عن المياه فلن تجد طريقها نحو الصنبور بدون تشغيل الموتور حتى يغسل «بهجت» وجهه ويديه من التراب الذي يملأ جنبات الشقة.
وبعد جولة تفقدية استمرت لدقائق داخل الشقة تمتم «بهجت» قائلا وهو ينفض التراب عن ملابسه: «تمام كده أنا اطمنت على الشقة وإديت لها الحس الأسبوعي بتاعي.. أما أتوكل على الله بقى وأمشي».
وأطفأ لمبة المطبخ ومفتاح الموتور وتحرك نحو باب الشقة ونزل من العمارة ليسير في الحارة الطويلة متجهًا نحو موقف السيارات، وقبل أن يبلغ نهاية الحارة توقف لحظات وتدلت شفته السفلى وشردت عيناه قبل أن يسأل نفسه «هو أنا قفلت باب الشقة؟.. طيب ومفتاح الماتور؟.. وباب البلكونة ونور المطبخ؟.. لازم أفتكر.. ده أنا باجي هنا كل أسبوع».
وقبل أن يُجهد عقله في البحث عن الإجابات، استدار «بهجت» نحو الحارة الطويلة مرة أخرى عائدا إلى الشقة!!