كيف أخطأنا في معالجة المسألة السكانية؟
في الأسبوع الماضي، كانت الساعة السكانية على موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى أن عدد سكان مصر تجاوز 104 ملايين نسمة، والواقع أن المشكلة الكبيرة لا تكمن في عدد السكان الذي يتم تسجيله، ولكنها تكمن في نسبة الزيادة السنوية في هذا العدد.
وكما نعرف، فإن مصر تحظى بمعدل زيادة سكانية مرتفع مقارنة بالكثير من دول العالم، وفي هذا الصدد يكفي أن نتذكر أن تلك الزيادة ترفدنا بعدد مماثل لمواطني بعض الدول في منطقتنا العربية سنوياً، وهو أمر يزيد الأعباء على الإنفاق الحكومي، ويضغط على كفاءة الخدمات العامة، ويخفض مستويات جودة الحياة.
ورغم أن البعض يعتقد أن عدد سكان مصر ليس مشكلة في حد ذاته، وأن نسبة الزيادة السكانية المتسارعة لا تطرح علينا تحديات، وأن دولاً أخرى في العالم لديها عدد سكان أكبر بكثير، ونسب زيادة سكانية أعلى، لكنها "تعرف كيف تستفيد من إمكانياتها السكانية"، فإن ذلك الطرح لا يحظى بالقدر اللازم من الحجج التي تدعمه.
وكما نعلم، فإن بعض الدول تستفيد من زيادة عدد سكانها، بينما تستفيد دول أخرى من محدودية ذلك العدد، وأن دولاً تجتهد لرفع معدلات الزيادة السكانية، بينما تجاهد دول أخرى لخفضها، وسيقودنا ذلك إلى حقيقة أن كل دولة لديها وضع سكاني محدد، وأنها تصوغ عقيدتها السكانية، وترسي سياساتها في هذا المجال، بناء على هذا الوضع المحدد، وتوخياً للأهداف القومية التي تسعى إلى تحقيقها.
ولذلك، فإن قياس أوضاع مصر السكانية على الصين مثلاً لن يكون قياساً صحيحاً، خاصة لو عرفنا أن الصين نفسها غيرت سياساتها السكانية أكثر من مرة اتساقاً مع تشخيصها للتحدي السكاني، وسعياً لتكامل تلك السياسات مع السياسات القومية في المجالات كافة.
ومن بين الأخطاء التي نرتكبها في مقاربة المسألة السكانية أننا نعتقد أن الإفراط في التركيز على دور وسائل الإعلام وعملية التوعية وحده، يمكن أن يقود إلى التأثير في الجمهور، ويخفض أعداد المواليد.
إن هذه المقاربة في حاجة إلى مراجعة مُلحة؛ إذ ما زال البعض يعتقد أن مهمة علاج الخلل السكاني يمكن أن تُنجز عبر إعلانات جذابة يقدمها مغنون أو ممثلون، وهو أمر يزيد من تفاقم الإشكال ويعمق آثاره الضارة.
تُعد الصين أهم دولة واجهت مشكلة الزيادة السكانية في العالم، لذلك، فقد سن الحزب الشيوعي قانون الطفل الواحد، عام 1979، وأتبعه بحزمة من الإجراءات والعقوبات، ضمن ما عُرف آنذاك بـ "سياسة تخطيط الأسرة".
في تلك السياسة تم إلزام المواطنين بإنجاب طفل واحد، مع فرض ضرائب تصل إلى 50% من الدخل، أو الطرد من الوظيفة، أو الحرمان من صور الدعم الأخرى، في حال تم إنجاب أكثر من طفل.
بحلول العام 2013، كانت الصين أحرزت نجاحاً باهراً في سياسة الحد من النمو السكاني، وبموازاة ذلك ارتفع دخل الصينيين، وتحسنت مستوياتهم الاجتماعية والثقافية، وخرج مئات الملايين من الفقر، وتعزز أداء الخدمات العامة، فبدأت الدولة في التخفيف من قيودها على الإنجاب.
وبحلول العام 2016، وجدت الدولة أن معدلات المواليد المنخفضة يمكن أن تؤثر في خطط التنمية، لأنها تزيد من أعداد المسنين، وتقلل من أعداد الشباب القادرين على العمل، فرفعت معدل الإنجاب المسموح به إلى طفلين، وأطلقت برامج توعية وحزم تحفيز على إنجاب الطفل الثاني.
لمشكلة السكان جانب آخر غير الجانب الذي نعرفه، فثمة 82 دولة في العالم تعاني من تراجع المواليد بشكل لا يعوض الوفيات، ما يؤثر على قوة العمل الوطنية؛ كما هو حادث في كوريا الجنوبية، وروسيا، وألمانيا، واليابان، والدول الإسكندنافية.
ولكي تواجه تلك الدول هذه المشكلة عمدت إلى برامج وخطط وطنية، وتعديل للوائح لمنح إجازات رعاية أطفال للوالدين، حتى إن بلدية مدينة ميهيكالا الفنلندية قررت منح عشرة آلاف يورو لكل أسرة تنجب طفلاً جديداً.يعطينا هذا مثلاً واضحاً على ما يجب أن تفعله دولة لمواجهة مشكلتها السكانية، سواء كانت تلك المشكلة تتعلق بزيادة الإنجاب أو تراجع معدلاته.
ومن خلال هذه الأمثلة يمكننا أن نعرف أن هذا الأمر لا يمكن علاجه بالإعلانات، أو جهود وسائل الإعلام، أو الخطابات السياسية التوجيهية فقط؛ فمثل هذه الممارسات يمكن أن تكون عنصراً داعماً ومحفزاً ضمن "سياسات تخطيط السكان"، وليست عاملاً جوهرياً أو مساراً وحيداً.
تبدأ عملية إصلاح الأوضاع السكانية في مصر من سن القوانين، وليس من إعلانات التليفزيون و"السوشيال ميديا"، وتحتاج تلك القوانين إلى قدر كبير من الجرأة والشجاعة، على أن تكون مدروسة وفعالة، بحيث تتضمن شقين؛ أحدهما تحفيزي يعزز سلوك الإحجام عن الإنجاب، وثانيهما عقابي يردع المفرطين.
وبموازاة القوانين واللوائح وحزم الإجراءات، يجب أن تنضوي مؤسسات الدولة المختلفة ضمن السياسة ذاتها، بحيث يصبح الامتثال لخطط الحد من الزيادة السكانية عنصراً جاذباً وحاكماً للحصول على الخدمات والفرص، بما يعزز سلوك الأسر الملتزمة.
أما دور الإعلانات والتوجيه الإعلامي فيبقى عنصراً ثالثاً ثانوياً، لا ينهض وحده بهذه المهمة الخطيرة، وإنما يتضافر مع التشريع والجهود العامة المخططة تخطيطاً مدروساً.
المسألة السكانية أكبر من الإعلام والإعلان، ولن يمكن علاجها فقط عن طريق التوعية، وسيحتاج الأمر شجاعة وتركيزاً للجهود من الدولة من أجل السيطرة عليها، ووضعها على المسار السليم.