سَراة.. لماذا تتعثر القمة العربية؟
تبذل الجزائر الشقيقة، ومعها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، جهوداً حثيثة لإنجاح القمة العربية المُقرر انطلاق أعمالها في الجزائر العاصمة غداً، وقد كان السعي يستهدف أن يكون هذا الحدث بداية لـ "لم الشمل العربي"، بعد غياب عن الالتئام الدوري بسبب جائحة "كورونا" وبعض الصعوبات السياسية.
ورغم كل الجهود المُقدرة والمُخلصة لإنجاح تلك القمة، فإن الشكوك تحيط بقدرتها على تحقيق الاختراق المطلوب، وتستمد تلك الشكوك وجاهتها من غياب عدد من القادة المؤثرين عن الحضور من جانب، واستمرار الاختلاف بين بعض الأطراف العربية حول قضايا رئيسية من جانب آخر.
سيمكن القول إن القضايا العربية الخلافية لم تغب عن أي قمة عربية سبق عقدها، وسيمكن اعتبار أن غياب عدد من القادة المؤثرين عن الحضور لا يؤدي بالضرورة إلى تقويض فرص نجاح القمة، وسيمكن التذرع بأن الأزمات العالمية الطاحنة التي يشهدها العالم راهناً، وتؤثر مباشرة في مصالح الدول العربية ومستقبلها، تفرض على الأطراف المشاركة ضرورة تجاوز خلافاتها وتبايناتها، من أجل الوصول إلى حد أدنى من التوافق اللازم للدفاع عن المصالح القومية المُتفق عليها.
ومع ذلك، فإن الشواهد الظاهرة لا تؤيد هذا الطرح للأسف الشديد؛ والسبب في ذلك لا يتعلق باللحظة السياسية العربية الراهنة وحدها، ولكنه يتعلق أيضاً بما يمكن اعتباره "اختلالات هيكلية" تحد من فرص نجاح العمل العربي الجماعي، وهي اختلالات ناجمة عن تراكم عدد من الأزمات وأنماط الأداء السلبية على الصعيدين الوطني والعربي.
وربما يأتي على رأس تلك الاختلالات ما يتعلق بفكرة "تشخيص العدو"؛ وهي الفكرة التي تتخذ أشكالاً مختلفة للتعبير عنها على صعيد العلاقات مع قوى إقليمية تؤدي أدواراً ملتبسة ومثيرة للجدل حيال الإقليم، وهي أدوار تتسم عموماً بالخشونة وتسمها شهوات التوسع، بينما تتباين الاستجابات العربية حيالها.
والشاهد أن "الأمة" تبدو أكثر من مرتبكة حين تجتهد لتشخيص "العدو"، وحين يحدث ذلك لأي أمة، فإنها تكون قد وقعت في خطر عظيم.
بتشخيص متفق عليه لـ "العدو"، يتبلور أحد أهم أهداف العمل الجماعي العربي ويتخذ مساره نحو التفعيل.
فأمة بلا رؤية واضحة لأعدائها، وبلا موقف واضح من العالم والإقليم الذي تعيش فيه وأطرافه المؤثرة، ستفقد الاتجاه والفاعلية.
من ناحية أخرى، فإن العالم يشهد راهناً أزمة من العيار الثقيل، وهي الأزمة الأوكرانية، وما ينتج عنها من مواجهة روسية- غربية، يريد كل من طرفيها أن يكون لنا موقف واضح إزاءها، وهو أمر يبدو عصياً حتى اللحظة، لأسباب كثيرة ومعقدة، سيعود أغلبها إلى مدى قدرتنا على تحصين استقلالية قراراتنا الوطنية والقومية.
وإذا أدت تلك الأزمة- كما نخشى جميعاً- إلى حرب أوسع، فنحن لا نعرف إلى أين يمكن أن تأخذنا تلك الحرب.نحن لا نعرف في أي صف يجب أن نقف.. نحن منقسمون، أو مترددون، وفي سعينا لإدراك التوازن المأمول، يمكن أن نخسر كثيراً.ثمة إشكال آخر؛ إذ لا يوجد نظام إقليمي عربي.. تلك عبارة حادة وحاسمة، وبقدر ما يمكن أن تتضمن من تفاصيل، فإن الشواهد كافة ستفضي إليها بكل تأكيد.
لا نتحدث فقط عن اختلافات وتباينات عميقة بين دول عربية، ولا نتذكر فقط عدم الاتفاق على السياسات التي يجب أن نتبعها إزاء تطورات حاسمة تتدافع بلا هوادة يوماً بعد يوم، لكننا نشير إلى أن الدول العربية لا تنتظم في منظومة يمكنها أن تفكر وأن تقرر.
لم يمر يوم على العالم العربي منذ إعلان الدولة الوطنية نعم فيه العرب بنظام إقليمي متماسك وقادر على قراءة الأحداث واتخاذ ما يلزم حيالها، بما يحقق الحد الأدنى من المصالح المتفق عليها، وبما يضمن لهذا النظام الفاعلية، وللدول التي يعبر عنها صيانة مصالحها.
لكن في تلك الأثناء لا يوجد لدينا نظام إقليمي عربي في الأساس، ولا تعبر الجامعة العربية سوى عن الحد الأدنى من التوافق بين أطراف تربطهم اعتبارات تاريخية جوهرية وقدر من المصالح الدائمة والطارئة، وتلك الأخيرة يظل حجمها وأثرها أقل كثيراً مما يتفاعل بينهم من تناقضات جوهرية وثانوية.
وهنا تضيع الفرصة الضئيلة السانحة في تصليب اتجاه أو اتخاذ قرار.
وفي غضون ذلك، فقد أدى تفكك عدد من الدول العربية الوطنية، أو وقوعها ضحية للاحتلال وتقويض السيادة، إلى إشكال كبير.
لم تعد الدولة العربية الوطنية يقيناً كما كانت على مدى العقود السبعة الفائتة، بل هي في اختبار للقدرة على الوفاء بمتطلبات البقاء.
وفي غيبة النظام الإقليمي العربي، قد لا يُنتظر من الفاعلين الإقليميين تطوير خطط قابلة للتنفيذ لاستعادة الدول التي تفككت، بقدر ما يُستدعى الأمل في عدم انزلاق دول أخرى إلى الفوضى.لقد ظهر لنا بوضوح أن كثيراً من البيارق، والأناشيد، والصحف والإذاعات الرسمية، وقصور الرئاسة، وبعثات التمثيل الدبلوماسي، لم تكن أكثر من ادعاءات، لا تسندها وقائع، وحين هبت العواصف، تهاوت مع أول اختبار.
عندما يبرز الخلاف بشأن استعادة دولة عربية مقعدها في جامعة الدول العربية، ويصبح قضية عصية على النقاش، أو نخفق في محاولة تصليب مواقف ملائمة تجاه دول إقليمية تنهج نهجاً توسعياً عدائياً، أو يشيع الخلاف والعداء بين عدد من دولنا، تتعثر القمة العربية، وتتراجع أهميتها.