مش كل الجروح لها دوا يا «ستي»
«ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا».. كلمات قالها شاعر جاهلي، تعكس حكمة تتلخص في مدى تغير مسلماتنا وفلسفتنا في الحياة بمرور الزمن، فبمجرد فقدان شخص عزيز عليك ستتأكد أنّ عبارة «الحزن يولد كبيرا ثم يصغر» التي نستخدمها للتخفيف عن الآخرين في مصابهم ونعتبرها أمرا مسلما به، «خادعة» وهدفها المواساة فقط.
الحقيقة أنّ الحزن لا يصغر أبدًا؛ فمأساة الفراق أكبر من أن تنتهي بكلمات مواساة، إذ تظل مستوطنة في قلوبنا كالخنجر المسموم الذي يأبى الخروج من القلب دون أن ينزعه من مكانه، ويمتد للروح فيسحقها ويصل للعين فيفقدها بريقها.
365 يوما مرّت على الضربة القاصمة التي لم تكن في خيالي، وهي فراق جدتي الحبيبة، عام كامل تهيّبت فيه رثاءك يا «ستي»، حاولت مرارا أن أستجمع شجاعتي لأدون ذكرياتنا سويا، لكن دموعي كانت تسبق يدي دائما، وأصبحت أطلق لها العنان في أي مكان دون أن أكترث بمن حولي، ولم أنسَ تلك السيدة السبعينية التي صادفتها خلال استقلالي لإحدى وسائل المواصلات مع ثلاثة أطفال يبدو أنّهم أحفادها وكانت تشتري لهم الحلوى، نوبة البكاء التي دخلت فيها جعلت قدماي عاجزة عن الذهاب لتلك العجوز: «كان نفسي أقولها اقسي عليهم شوية ومتلبيش كل طلباتهم.. أنا كان نفسي ألاقي لستي موقف واحد كانت قاسية فيه عليّا كنت صبرت به نفسي».
أكثر ما افتقدته في تلك السنة التي يعادل اليوم فيها 50 ألف سنة؛ المكالمة الهاتفية التي كانت تجمعنا في صباح كل يوم، فما كاد الخط يفتح حتى ينهال عليَّ سيل من الدعوات التي كانت بمثابة شحنة تفاؤل وأمل وطاقة أسير بها حتى صباح اليوم التالي: «كل ما كنت أتمنى حاجة كنت بجري عليكي أقولك ادعيلي ولما كنتي بتسأليني تقوليلي عملتي إيه كنت أقولك مش دعيتي لي خلاص، لحد دلوقتي ماشية بسر دعاكي، يوم ما شوفت الرؤيا وأنتي رافعة إيدك وبتدعيلي مسمعتش ولا كلمة من الدعاء بس حافظاه بالحرف، الدعوة الوحيدة اللي كان نفسي تدعيهالي إن ربنا يصبرني على فراقك».
كل يوم شريط ذكرياتنا بيمر قدام عيني، البرنامج اللي كنتي بتابعيه وتحكيلي كل تفاصيله لأنك عارفة إني بحبه ومعنديش وقت أتفرج عليه بطلت أتابعه ولغيت متابعتي لكل الصفحات والجروبات الخاصة به، مش قادرة أنسى لما كنتي بتقعدي معايا على المصطبة في البرد لمجرد إنك عارفة إني بحب أقعد هناك وكل ما أقولك كفاية كده تقوليلي لأ.
صحابي دائما كانوا بيسألوني هتروحي فين يوم الجمعة ومن قبل ما أرد كانوا بيجاوبوا: «طبعا عند ستك».. وكانوا بيسخروا مني لما أقولهم القعدة مع ستي على المصطبة أحسن عندي من أني أروح المالديف، مش عارفين إني بلاقي عندك الدفء والأمان والحنان، كنتي ملجأي من قسوة الأيام وبتحسي بيا من غير ما أتكلم.
علامات الرضا المرسومة على وجهك الذي لم تتجرأ التجاعيد على نسج خيوطها عليه، وابتسامتك الهادئة المطمئنة كانت كافية لإدخال السرور إلى قلبي.. كنت دائما أتحدث مع مرضك وأرجوه أن يستوطن بداخلك كيفما شاء ويتركك لنا أطول فترة ممكنة؛ فهو لم يستفد شيئا من رحيلك، ولكنه رفض كل توسلاتي وردني خائبة، ورحلتي وتركتينا بقايا أحياء: «دايما أنا اللي كنت بمشي وأنتي كنتي بتطلعي ورايا وتدعيلي لكن أن أنتي اللي تمشي ومترجعيش ده السيناريو اللي عمره ما خطر في بالي.. لما كنت أكلمك وأقولك عامله إيه طمنيني عليكي تقوليلي هو أنتي حلمتي بحاجة.. صدقيني هو ده الكابوس اللي اتمنيت أشوفه يمكن كنت استعديت له».
رغم أن أنفاسك لا تزال تحتويني، وأتحسس عبيرك، وأستمع إلى صوتك ونبض فؤادك في كل مكان.. دعيني أخبرك أنّ الموت أصبح أحبُّ إليَّ من الحياة؛ لأنه سيزيل كل جدران الفقد والوحشة بيننا، ونستطيع الحديث سويا دون أي حواجز أو معوقات، وتعود إليَّ البهجة من جديد.. عليكِ السلام إلى يوم ألقاكِ وأنعم برؤية نور وجهك الضاحك المستبشر دائما.