لماذا نتصرف هكذا في فضائنا العام؟
كما يجدر بنا أن نكيل الانتقادات الحادة للإدارة السياسية كلما أخفقت فى التعامل مع إحدى الأزمات، أو عجزت عن الوفاء بالمطلوب منها لإنجاز مهامها الدستورية، فيجدر بنا أيضاً أن نلوم بعض مواطنينا عندما يخفقون فى انتهاج السلوكيات السليمة، وينتهكون القواعد التى يجب أن نحترمها لنُعزز نمط حياتنا، ونتصرف بالطريقة التى تليق بنا وبميراثنا الحضارى.
ومن بين السلوكيات السليمة التى ينتهكها بعضنا بانتظام، ما يحدث فى كثير من شوارع وميادين البلاد، حيث وضعت إدارات المرور مشكورة ما قالت إنها كاميرات لمراقبة إشارات المرور، وإمعاناً فى التذكير علقت لافتات أيضاً تقول «إن الإشارة مراقبة بالكاميرات»، لكن كثيرين ينتهكون الإشارة، تغولاً على القواعد، أو ثقة بإمكانية التحلّل من عواقب اختراقها، أو يأساً ولامبالاة.أحاول الآن أن أتوقع ما فكر فيه المسئول الذى علق هذه العبارة (الإشارة مراقبة بالكاميرات)، وأحاول أيضاً أن أتنبأ بما يشعر به عندما لا يجد القدر الواجب من الامتثال لتحذيراته، فلا أملك سوى أن أتعاطف معه.
من المؤكد أنك رأيت جندى مرور يحاول مرات عدة إيقاف السيارات المسرعة التى تجتهد فى خرق إحدى الإشارات، مستخدماً جسده، بعدما يأس من احترام قائدى المركبات للضوء الأحمر، وبعدما ملّ استخدام يديه فى استعطافهم لكى يحترموا النظام ويتوقفوا من دون جدوى.
فى تلك المساحة التى يمكنك فيها الدوران للخلف، بينما تضع إدارة المرور إشارة واضحة، يقف تحتها جندى معنى بتفعيلها واحترامها لمنع الدوران بصورة مخالفة، ستجد كثيرين لا يكترثون بالتحذير المكتوب ولا بالرقيب البشرى.
عند هبوط الطائرات فى أى من المطارات المصرية، لا شك أنك سمعت نصائح وإرشادات واستجداء الطواقم للركاب: «رجاء البقاء فى مقاعدكم لحين توقف عجلات الطائرة تماماً»، لكن كثيرين لا يمتثلون، بل يتسابقون على حمل حقائبهم والوقوف فى الممر، معرضين أنفسهم والآخرين للحوادث، قبل أن يتسابقوا فى الركض على السلالم أو فى الأنفاق.
لا شك أنك قرأت كثيراً العبارات المعلقة على المصاعد، التى ترجوك فى إلحاح ألا تكتب على المصعد أو تدخّن داخله، كما تطلب منك عدم اصطحاب الحيوانات فى رحلتك بالمصعد، أو الحرص على غلق الباب بعد استخدامه، بينما يُمعن كثيرون فى تجاهل تلك التعليمات.
فى حدائق الحيوان تنتشر عبارات ليس لها مثيل فى أى متنزه عام فى العالم؛ من نوع: «ممنوع أكل الفسيخ»، و«ممنوع إلقاء الحجارة على الحيوانات»، ويبدو أنهما عبارتان لا تنتصبان إلا لاستجلاب سخرية الرواد وربما إغرائهم بارتكاب المزيد من المخالفات.
مع سوء حال الحمامات فى معظم مرافقنا العامة والمحال والنوادى، ورغم تخصيص صبية وسيدات ورجال للعناية بها على مدار الساعة، لقاء ما يجمعونه من «إكراميات»، ستجد عشرات اللافتات التى تحضك على الاستخدام الحسن لهذا المرفق الحيوى، والتى تشرح لك أدق التفاصيل البديهية عن «شد السيفون» أو «عدم إلقاء المناديل فى المرحاض» وغيرها، ومع ذلك فأحوال النظافة العامة فى تلك الأماكن لا تسير إلا نحو القذارة والفوضى.
لن يمر عليك يوم أثناء سيرك فى أىٍّ من شوارع المدن المصرية المكتظة بالسيارات والبشر إلا وستجد لافتة مكتوباً عليها: «جراج خاص.. ممنوع الوقوف»، أو «ممنوع الوقوف منعاً للإحراج»، وأحياناً: «جراج خاص.. من يقف هنا ذنبه على جنبه»، وهكذا حتى تستنفد عبارات الاستجداء والتوجيه والوعد والتهديد.
فى مصالحنا الحكومية ستجد لافتات كثيرة للتوجيه؛ بعضها يختص بمنع التدخين، أو الالتزام بالدور، والوقوف خلف الخط الأصفر، وبعضها يتعلق بضرورة دفع مقابل الخدمة من دون «إكرامية» أو «بقشيش»، لكن أثر هذه العبارات جميعها يتوقف عند جهودها فى تشويه المكان، وإسباغ المزيد من القبح والعشوائية على جدرانه المهترئة.
تنتصب فى شوارعنا لافتات كثيرة تحمل عبارات من نوع: «الانتظار صف واحد مواز للرصيف»، أو «ممنوع الانتظار»، أو «ممنوع سير النقل»، أو «ممنوع الدوران للخلف»، فيما تنتهك كل قاعدة من تلك القواعد عشرات المرات يومياً على مرأى ومسمع من الجمهور والسلطات.
لم يعد لكثير من صور أدائنا العام أى علاقة باللياقة أو النظام والضبط، ولم تعد التوجيهات والإرشادات واللافتات المعلقة تفلح فى إثنائنا عن الفوضى وانتهاك القواعد، وبين هذا وذاك، سن نفر بيننا قواعد خاصة لحماية ممتلكاته أو الافتئات على الملكية والمصلحة العامة، واستخدم الجميع عبارات التوجيه المُلح، فلم تُجدِ، وبعدها عبارات الزجر والتهديد فلم يلقِ أحد إليها بالاً.
لا تقوم الحكومة بدورها على الوجه الأمثل لضبط الشارع وصيانة القواعد التى تحكم الحركة فى المساحات العمومية، وثمة الكثير من التقصير الرسمى الذى تتزايد الشواهد عليه يوماً بعد يوم، وثمة أيضاً كيل بالمكاييل المتعدّدة، ومحسوبية ووساطة، لكن كل هذا لا يبرر مبالغتنا الغريبة فى محاولة كسر كل قاعدة تتعلق باحترام فضائنا العام المشترك.
ليست تلك محاولة لإلقاء اللوم على الناس فى ما يخص ما قد نجده من عوار فى الأداء العمومى، أو تبرئة الحكومة من تقصير تشهد به عديد الوقائع فى كثير من الأحيان، لكنها محاولة لاستنهاض رغبتنا المفترضة فى أن نعبّر عن أنفسنا بما يليق بنا، وبما يجعل حياتنا أسهل وأقل معاناة.