الانتماء للأوطان لا يُقاس بتغيُّر سعر الصرف!
-السيسى أنقذ حاضر مصر وتاريخها وجغرافيتها ولولا ما تم من بناء ما استطعنا أن نواجه التحديات
-نعم كان الجنيه يساوى جنيهًا ذهبًا ولكن مَن الذى ضيّع القدرة الاقتصادية فى مغامرات لم تكن محسوبة؟
-الشارع لم يكن منشغلاً بالشأن العام قبل 2011 وعدم المَعرفة جعله يقف فى الميدان يحسب حصته من كذبة الـ 70 مليار دولار!
-2011 تسببت فى جريمة استراتيچية على مياه النيل ومصير الأمّة المصرية تتحمّله الدولة الآن
-لا نملك رفاهية الفشل ولا مَجال إلا الانتصار للمشروع الوطنى المصرى لدَى الغرب جُملة مع الزمن استقرت فى موضع الحكمة وهى أن المَعرفة قوة وعدم المَعرفة رحمة!!..
ماذا تعنى؟ باختصار أن العقل الذى تصل إليه المَعرفة يجيد صاحبه تقديرَ الأمور، وغالبًا ما ينعكس هذا التقديرُ فى جودة اختيارات صاحب العقل الذى امتلك المَعرفة.. أمّا عدمُ المَعرفة فيعيش عقل صاحبها فى رحمة عدم الإدراك، وهى رحمة محفوفة بالمَخاطر لأن عقلاً بلا معرفة أبسط ما تتوقع من اختياراته هو الخطأ وطريقه عادة ما يكون مفروشًا بالكوارث التى يذهب إليها طواعية دون أن يدرى وفى ظنّه أنه يُحسن صنعًا.
تغيّرَ المجتمعُ المصرى وتبدّل بفعل صفحة التطورات السياسية والاقتصادية على مدار 15 عامًا.. كان العقد الاجتماعى الذى أسّسته ثورة يوليو يتحلل فى السنوات الخمس الأخيرة فى عهد الرئيس الأسبق مبارك.. حالة من التفكك سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لعوامل كثيرة تتماشَى مع سياق نهاية تاريخ وبداية تاريخ جديد.
كان المجتمع قبل 2011 وهو عصرُ ما قبل (السوشيال ميديا) يمضى دون الانشغال بالشأن العام، باستثناء بعض القضايا التى تشبع النميمة السياسية فى البلاد؛ منها ما يتعلق بالفساد، ومنها ما يتعلق بحديث التوريث، ومنها ما يتعلق بتعامُل النخب الجديدة مع الرأى العام سواء مَن كانوا فى السُّلطة أو مَن كانوا فى المُعارضة.. يرضى الناس بالدعم ويشكون بؤس الخدمات.. وحققت الدولة معدلات نمو، ويتساءل الناس عن عائد التنمية الذى لم يصل إليهم.. وفى خضم كل ذلك حالة من التشكيك بُنى معها وعىٌ زائفٌ كان كل ما يحتاجه رأيًا عامًّا مصطنعًا تكفلت به السوشيال ميديا التى داهمت دولة ما قبل 2011 وأربكتها وأغلقت صفحتها.
بلغ عدم المَعرفة بحال الدولة إلى الحد الذى جعل الناسَ تحسبُ عوائدها الشخصية من كذبة الـ 70 مليار دولار التى أطلقتها الجارديان.. تكفّلت النخب الممولة العميلة بهدم الثوابت وتمزيق ما تبقى من روابط داخل المجتمع بتخطيط مُحكم بدأ بموجة القوائم السوداء من جهة وتنميط المجتمع من جهة أخرى ما بين شباب وشيوخ ومسلم ومسيحى وما إلى ذلك من خراب فكرى مُرعب مزّق البلادَ إلى فِرَق تمهيدًا لتقسيمها بلغت بنا سخرية الحياة وقسوتها إلى الحد الذى جعل جماعة إرهابية تصل إلى حُكم مصر ذات يوم أسْوَد الذين قضوا على ما تبقى من مؤسّسات ولم يتبقَّ إلا قواتنا المسلحة التى تحمّلت ما لا يطيق على حمله الجبال، ورَزقنا الله فى لحظة المصير بالبطل عبدالفتاح السيسى لينتشل مصرَ من مصير صعب لم تره فى تاريخها أبسط ما فيه أنها لن تملك قرارها وأبشع ما فيه أننا كنا سنصبح جزءًا من سياق إقليمنا آنذاك شعب من اللاجئين إذا ما وجدنا مَن يأوينا أو كنا ننتظر أن يلقى لنا الغذاء من الطائرات فى مخيمات، لكن لطف الله كان حافظًا لمصر وأهلها الكرام.
بدأ المجتمع المصرى يعيد قراءة الشأن العام بعد 2011.. بدأ يعرف أن البنزين مثلاً ليس بالسلعة الرخيصة المتاحة وليست الكهرباء بالسلعة الرخيصة المتاحة، وقبل كل ذلك أدرك معنى الدولة وأدرك معنى أن تحيا فى وطن آمن مستقر، ومن هنا كان الوعى الجمعى فى قرار الشعب بالتخلص من الجماعة الإرهابية للأبد.
قرّر الرئيس «السيسى» منذ اللحظة الأولى لتوليه مسئولية حُكم مصر أن يكون منهجه المصارحة، لم يَعد إلا بالعمل ولم يَطلب إلا العمل.. جاء باستدعاء شعبى لمهمة إنقاذ وطن فأعلنها أن لا فواتير فى عُنقه لأحد إلا شعب مصر، وكانت بداية المواجهة مع شبكات مَصالح؛ بل مراكز قوَى تكوّنت فى مجتمع المال والأعمال والإعلام وكان بينها رابط استقر فى العقد الأخير من حُكم الرئيس الأسبق مبارك، وهى أن كل رجل أعمال يمتلك وسائل إعلام صحيفة وقناة وموقع تخدم البيزنس الخاص له بغض النظر عن معايير الربح والخسارة.. الربح بالنسبة له هنا يتحقق فى مجالات عمله التى يحميها إعلامُه وظن المصريون أنه إعلامُهم.
لهذا لا تستغرب أبدًا أن الإعلام المصرى قبل 2011 فى الفضائيات الخاصة لم يفتح ملف أراضى الدولة المنهوبة لأن المُلاك متورطون.. أو استدانتهم للبنوك وعدم سدادهم لمليارات لأن المُلاك متورطون أو حياة الناس فى قرى ونجوع مصر لأن المُلاك لا يهمهم إلا لو الأمر يأتى فى سياق الضغط لتحقيق مَصالحهم مع الحكومة والإدارة السياسية آنذاك.
انطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى بفلسفة واضحة أن هذا البلد لكى يحيا لا بُدَّ أن يتحدى الزمن.. العمل الذى يستغرق سنوات يتم إنجازه فى شهور لأننا لا نملك رفاهية الوقت ومؤكد لا نملك رفاهية الفشل.لم يرهن البلد للحرب مع الإرهاب رُغْمَ تكلفتها الباهظة بثمَن مدفوع وثمَن لا يُقدر ولا يُعوَّض بدماء أكثر من 3000 شهيد.
انطلق الرئيسُ بمسار التنمية الشاملة بهدف النهوض بقدرات الدولة الشاملة لكى تعود دولة حقيقية قادرة على الحياة والتعاطى مع عالم متغير وأن تحجز الموقع الذى يليق بها بين الأمم.. عمل على مدار الساعة فى كل شبر على أرض مصر.. مشروعات تنموية عملاقة حوّلت التحدّى إلى اكتفاء.. استيعاب معدلات البطالة المرتفعة وأضيف إليها العمالة العائدة من دول الجوار المنكوبة.. مبادرات صحية تسد فجوة الخدمات التى يعجز عن تقديمها القطاع الصحى.. مبادرات اجتماعية تُغير حياة أهل مصر الذين لا يشعر بهم قدرٌ ليس بقليل من شعب مصر ودخلت الدولة قرى ونجوع الريف والصعيد.. بعض هذه القرى كان أول مسئول يدخلها هو رئيس الجمهورية نفسه.
شهدت القوات المسلحة تحديثًا غير مسبوق.. تنوعت مَصادر التسليح وتم استيعاب مدارس التسليح المختلفة؛ بل تطويرها من أجل امتلاك القدرة فى زمن شهد تحديات على الاتجاهات الاستراتيچية الأربعة، وفى وقت من الأوقات كان بعض من هذه التحديات تهديدًا استراتيچيًا، ولكن كانت قوة الردع حاضرة فلم يجرؤ أحدٌ على التمادى فى ظنّه بأن مصرَ غير قادرة.
استعادت دولة المؤسّسات حضورَها بعد فترة تصدُّع واهتزاز.. حققت مصرُ معدلات نمو غير مسبوقة قبل كورونا رُغْمَ تنامى معدل الزيادة السكانية التى تلتهم كل عوائد التنمية.اعتاد المصريون على ثقافة القدرة على الإنجاز.. كل يوم مشروع جديد يتحقق ويخرج رئيس الجمهورية ليقول هذا ما حققه شعبُ مصر.
قرأ الرئيسُ المستقبلَ مبكرًا وأدرك بحكمته أن الإقليم قد تَغيّر وأن العالم فى طريقه للتغيير وأن مصر لم يعد بمقدورها إلا الاعتماد على سواعدها، وهو ما حفظ استقلال قرارها الوطنى فلم يدفعنا (شقيق) تحت بند العوز لاتخاذ مواقف إقليمية لصالحه أو الدخول فى مغامرات إقليمية لخدمة مشروعه.
البعضُ يظن أن كارثة ما جرى فى 2011 تكمن فى تبعات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكن لا أحد يعلنها أن الجريمة الاستراتيچية قد حدثت هناك فى منابع النيل، ولولا الفوضى التى ضربت مصر والانكشاف الذى تم أمام العالم كله لقدرات الدولة المصرية ما كان ليجرؤ أحدٌ على بناء حَجَر يعوق به مياه النيل.
وأصبح هذا الواقع مُلقَى على عاتق الدولة وعلى القيادة السياسية ممثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى أعلنها مرارًا أنه لا تفريط فى نقطة مياه من حصة مصر، ولكنه لم ينتظر وقوع الخطر وعظم من استفادة مصر من مواردها المائية الشحيحة ويقوم بمعالجة المشهد المعقد بحكمة وهدوء دون الدخول فى مغامرات غير محسوبة.
جاءت جائحة كورونا لتهتز قدرات الدول وعبَرَت مصر المحنة، ولكنها أنهكت اقتصاديًا ولولا العمل الشاق الذى قامت به الدولة المصرية على مدار سنوات لما تمكنت مصر من الصمود.. ثم جاءت بَعدها أزمة سلاسل الإمداد لتضاعف من حدة الأزمة الأقتصادية الدولية إلى أن وصلنا إلى فبراير 2022 واندلعت الأزمة «الروسية- الأوكرانية» وبخلاف تداعيات الحرب المعتادة فإن المعترك الاقتصادى كان أشد قسوة.
رفعت الولايات المتحدة سعر الفائدة 5 مرّات فى عام واحد، وهى المرّة الأولى فى التاريخ التى تقدم فيه على هذا الفعل، والسبب المعلن هو احتواء التضخم، ولم يفلح فى احتواء التضخم داخل أمريكا، أمّا النتيجة التى صاحبت السبب فهى معاناة دول العالم النامى بسبب حدوث طلب غير واقعى على الدولار أدى إلى اهتزاز 98 عُملة فى العالم يستثنى منها الدول ذات العوائد النفطية.
دخل الاقتصاد العالمى فى حالة عدم يقين.. ألمانيا وهى أكبر قوة اقتصادية فى أوروبا تواجه تضخمًا هو الأكبر فى تاريخها.. ارتفعت الأسعار فى العالم كله لمستويات تفُوق القدرات المعيشية للشعوب ومصر ليست بمعزل عن النظام العالمى؛ بل إنها فى قلب النظام العالمى تتأثر به وتؤثر فيه.وبالتالى كان تغيّر سعر الصرف فى مصر منطقيًا حتى ولو ذهب بعض المُحللين الاقتصاديين إلى سبب هنا أو هناك، كل هذه الأسباب مجرد فروع للأزمة الحقيقية وهى نظام عالمى فى مَرحلة انتقال بالغ الصعوبة.
عانت مصر من هذه المَراحل قديمًا.. إبّان الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ومن يَعُد للتاريخ يجد أن الشعب المصرى لم يجد إلا الفتات فى الوقت الذى كان فيه الجنيه المصرى يعادل جنيهًا ذهبًا.. نعم كان لدينا احتياطى من الذهب ولكن تم التفريط فيه فى عصور سابقة، ولم يفرّط فيه عبدالفتاح السيسى لكى نلومه اليوم على حال الجنيه.. مثلما كانت لدينا قدرات كبرى وتآكلت بفعل حروب ومغامرات تجد مَن يبرّرها إلى اليوم.
الانتماء للوطن لا يُقاس بمؤشر سعر الصرف إذا ارتفع الجنيه أمام الدولار تحب وطنك وإذا تراجع تتمادى فى نكران الجميل لبلدك!.
أكتب السطور الآن لمصر القادرة على عبور التحديات إذا أرادت.. أكتبها إلى الأمّة المصرية التى تصل بحكمتها إلى الحقيقة إذا أمعنت وتدبّرت وأخلصت.. أكتبها إلى قيادتنا السياسية الوطنية إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى أنقذ مصرَ وينقذها على الدوام.. نحن معك والنصر حليفك والمشروع الوطنى المصرى لن يعرقل مثلما حدث فى كل الصحوات التاريخية لمصر سيتحقق معك.. وهذه السطور تشهد علينا وما من كاتب إلا سيفنى ويبقى الدهر ما كتبت يداه.. والأيام بيننا.
مقال للكاتب الصحفي أحمد الطاهري، رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» المنشور في المجلة.