حكمة الحياة المقدسة

ليس بالضرورة أن تستمر فى حرب، حتى وإن كانت حرباً مقدسة، عندما تكتشف أنك تحارب فى صف من لا يعنيه الأمر، أو حتى لا يتفهمه.يجب أن تتوقف عن هذه الحرب فوراً، وتبحث عن البديل المناسب الذى يستوعب الأمر جيداً، بل ويقدّر دورك فى مثل هذا الأمر الجسيم.

وفى مذكرات البابا تواضروس الثانى «سنوات من المحبة لله وللوطن» التى نشرت صحيفة الوطن جزءاً منها، يكتشف القارئ حكمة القرارات وأوقات اتخاذها والتحرك بشأنها أو حتى التوقف عن ذلك، وكذلك البحث عن المسارات الأخرى فى حرب الحياة، خاصة عندما تكون حياة الرجل تتسم بقدسية، يحمل خلالها حملاً ثقيلاً فى عنقه.

ويزداد الأمر صعوبة عندما تكون المواجهة فى فترة من أحلك الفترات التى يمر بها الوطن. قرر البابا أن يأخذ بالحكمة التى تقول إنك يجب أن تتوقف سريعاً إذا اكتشفت أن من تحارب معه مغيب لا يفهمك، يمشى فى ضلاله، بل إنه لا يسمعك من الأساس.

ومن بين هذه المواقف الفارقة فى حياة البابا، يكشف لنا البطريرك عن اللقاء الأخير مع الرئيس الأسبق محمد مرسى بصحبة شيخ الأزهر، فيقول: «عندما أصبحت حالة الاستقطاب شديدة والغليان يشتد والتظاهرات تتصاعد وتملأ الشوارع اتفقت أنا وفضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر على زيارة الرئيس محمد مرسى حتى ننقل له حالة الغليان الموجودة بشوارع مصر ونستوضح رؤيته، وعندما تم تحديد الموعد كان لمدة ساعة من الرابعة إلى الخامسة مساءً فى ١٨ يونيو».

ويوضح البابا: «لم يكن لدينا أى هدف من تلك الزيارة غير مصلحة الوطن والاطمئنان على سلامة البلد، ومحاولة تهدئة الأمور، فى ظل تصاعـد حالة الغليان فى الشارع المصرى، وعندما جلسنا مع الرئيس الأسبق من الرابعة إلى الخامسة، كما كان مقرراً لنا، فوجئنا بأنه على مدار ساعة كاملة كان يهذى بعبارات غريبة، مثل: ضبطنا 600 ألف قرص ترامادول، وأن ترعة السلام بها بخر للماء، وهذا مشروع فاشل وذلك مشروع ناجح، وأن بعض الكفاءات ترفض العمل فى الحكومة، ثم نظر إلى الساعة.

وكانت قد وصلت إلى الخامسة فأشار إلىّ قائلاً: اتفضل اتكلم، فتكلمت بألفاظ هادئة، وقلت: هناك حالة غليان فى مصر، وأرجو أن تكون هناك مساواة فى القرارات، فرد علىّ: مثل ماذا؟ فرويت له حادثة معلمة قبطية بالأقصر تُدعى دميانة، تم اتهامها بازدراء الأديان والحكم عليها بثلاث سنوات سجن وغرامة 100 ألف جنيه، فى حين كان هناك مواطن مسلم أهان الإنجيل فى القاهرة، فكان الحكم عليه بغرامة 5 آلاف جنيه، وكنت أتطرق لقيمة العدالة عندما رويت القصة، تخوفاً من أى بذرة لفتنة طائفية.

لكن قبل أن أكمل حديثى وجدته يفاجئنى بقوله: أنا أدفع لها الغرامة، وحين سمعته يرددها، استشعرت وقتها أنه لن يجدى الحديث معه فائدة، وأنه فى وادٍ آخر، وأن الشارع بغليانه لا يعنى شيئاً لديه، واستمر الحديث ساعة أخرى، وسألناه أنا وشيخ الأزهر قبل أن نغادر: ماذا سوف يحدث فى 30 يونيو؟ فكان رده يدل علـى أنـه مغيب ولا يستوعب ما يدور حوله».ويستكمل البابا: لقد خرجت وشيخ الأزهر من المقابلة وكنا نتضرع إلى الله أن ينقذ الوطن مما وصل إليه.

ولفت البابا إلى أنه لاحظ أن من الأشياء الغريبة التى أصرت عليها الرئاسة وقتها ألا نغادر أنا وشيخ الأزهر معاً، بل يغادر كل واحد منا بسيارة منفصلة، وقد كنت أشعر أن علاقتى الطيبة مع فضيلة شيخ الأزهـر تسبب لهم قلقاً ولا تأتى على هواهم. وقد انطبع لدينا من اللقاء أن رئيس البلاد شخص مغيّب، ربما عن قصـد أو عن غير قصد، و«ليس لها من دون الله كاشفة».

فى مذكرات البابا، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، كثير من المواقف، التى من بينها أيضاً دوره العظيم فى ثورة 30 يونيو، مواقف وحكايات يستمتع القارئ عند قراءتها بسحر السرد ومتعة الحكمة، وتجلى الرؤية، حين يرى بين سطورها عشرات الحكم التى تجلت فى محبة الله والوطن والحياة المقدسة.