الحروف القاتلة
بعض الحروف قد تكون قاتلة عندما تكون هذه الحروف أمانة علمية ومهنية وإنسانية.
بعض الحروف لا يمكن أن ننظر إليها ككل الحروف التي تمر بنا في حياتنا، خاصة عندما تتعلق بحياة إنسان استأمنا على حياته، جاء إلينا مستجيراً من الألم.
حروف قاتلة يكتبها كل يوم أشخاص من المفترض أنهم يحملون في أعنقهم أمانة الطب، يكتبونها في أوراق وصفة الدواء "الروشتة" دون أي مبالاة بما سيحدث للمريض الذي استأمنهم على حياته.
بالأمس كنت مع صديق يعمل في إحدى الصيدليات، عندما حاول صيدلي أن يفك رموز روشته لشاب يمني يصطحب والده الذي جاء به للعلاج في القاهرة.
استعان الصيدلي بأصدقائه في الصيدلية دون جدوى، فلم يجد أمامه إلا أنه أخبر الشاب أن هناك بعض الأنواع من الدواء المكتوب غير موجودة في الصيدلية. عندما خرج الشاب ووالده سألت الصيدلي عن الأمر، فأخبرني أنهم لم يستطعوا قراءة بعض أنواع الأدوية المكتوبة في الروشتة، فلجأوا لاختلاق قصة عدم وجود الدواء بدلا عن القيام بصرف دواء لا يقصده الطبيب.
وأخبرني أنا هناك كثير من ضحايا الروشتات المكتوبة بخطوط غير مفهومة للأطباء، أحدهم كان يعاني من الإمساك،فكتب له الطبيب "لاكسين laxin" على أن يأخذه 3 مرات يوميا، لكن الصيدلية صرفت له دواء "لانوكسين lanoxin" وهو دواء خطير يستخدم لعلاج القلب، وجرعته قرص واحد يومياً، وليس 3 مرات يوميا كعلاج "لاكسين" الملين، فكانت النتيجة موت الشاب بسبب ما كتبه الطبيب بخط غير واضح، مستهيناً بالأمر مستعجلاً من أجل الكشف على مريض آخر.
كثير من الأدوية المتشابهة سواء في النطق أو الكتابة أوحتى الشكل والتغليف، التي يجب فرزها في أرفف مختلفة، والتأكد من عدم صرفها إلا بآليات معينة لضمان عدم صرفها بشكل خاطئ.
هناك الكثير من التشابه في أنواع الأدوية التى يختلف استخدام كل منها، وتختلف آثاره الجانبية، وعلاقته بالأمراض الآخري في جسم الإنسان، ومنها على سبيل المثال دواء مرض السكري" أماريل Amaryl" الذي يتشابه مع اسم دواء ألزهايمر"ريمنيل Reminyl"، وداء الترامادول المخدر، الذي يتشابه في الاسم مع البانادول خافض حرارة،وكذلك هناك flutac مسكن للألم، الذي يمنع تناوله في بعض حالات أمراض المعدة، ويتشابه اسمه مع دواء famotac الذي يعالج أمراض المعدة.
المعهد الوطني لكلية أطباء الولايات المتحدة، كشف أن هناك ٧ آلاف شخص يموتون سنويا في الولايات المتحدة ، بسبب أخطاء صرف روشتات أدوية مكتوبة بشكل غير واضح أو مفهوم، ونصف مليون آخرون يعانون يصابون بأمراض جديدة بسبب تناول دواء خطأ.
وإذا كان الأمر كذلك في الولايات المتحدة، فكيف تكون أرقام المتضررين موتا أو إصابة بسبب شاخبيط أطباء مصر، التي يعجز الصيادلة عن فك شفرتها من الحروف القاتلة. يشعرك بعض الأطباء أن خطوط "الشخابيط" التي يكتبونها في روشتاتهم هي شهادة عبقريتهم، في غياب تام لوزارة الصحة ونقابة الأطباء، فليس هناك ما يمنع من إصدار قرار بإلزام الأطباء بكتابة روشتة إلكترونية.
ليس هناك ما يمنع من وقف عمليات القتل المتكرر بسبب خطوط الأطباء غير المفهومة، أو على أقل تقدير إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إصابة المرضى من أمراض جديدة، ونحن نعيش في عالم رقمي، خاصة مع استعانة كثير من الصيدليات بغير الحاصلين على بكالوريوس الصيدلة.