«السلوم»: التهمة الدائمة «تهريب مخدرات وأسلحة»

كتب: عبدالوهاب عليوة

«السلوم»: التهمة الدائمة «تهريب مخدرات وأسلحة»

«السلوم»: التهمة الدائمة «تهريب مخدرات وأسلحة»

بنايات صغيرة، لا يتجاوز ارتفاعها الطابقين، تقبع فى نهاية الحدود الغربية المصرية، أسفل جبل شاهق الارتفاع يفصلها عن الحدود الليبية، وتطل من الجهة الأخرى على شاطئ البحر المتوسط، حيث تمتد مدينة السلوم على مساحة 35 كيلومتراً، يقطنها أكثر من 15 ألف نسمه، وفقاً للبيانات الرسمية لمحافظة مرسى مطروح، أغلب قاطنيها من البدو، وقليل منهم من أهالى وادى النيل هاجروا إليها بسبب طبيعة عملهم المرتبطة بالمكان الحدودى ذى الطبيعة الصحراوية.[FirstQuote] المدينة التى تحولت إلى منفذ للتهريب، بسبب الانفلات الأمنى الذى تزامن مع اندلاع الثورتين المصرية والليبية، حيث انتفض الشعب المصرى فى 25 يناير 2011 على نظام مبارك، ثم اندلعت ثورة 17 فبراير التى أطاحت بنظام القذافى، لتتحول الحدود المصرية اللبيبة وتحديداً مدينة السلوم إلى ممر لتهريب السلاح والمخدرات والسجائر وغيرها من المنتجات المهربة إلى مصر فى ظل الانهيار الأمنى الذى استمر على مدار الأعوام الأربعة الماضية. ما سبق هو وصف للمدينة، وما يعرف ويقال عنها، بينما قاطنوها الذين يُتهمون بالتهريب ويتم التعامل معهم على أنهم خارجون على القانون، دون أى اتهام مسبق، يكفى فقط أن يكون مدوناً فى هويتهم الشخصية «السلوم». لا ينفى عمدة شباب السلوم، يوسف عبدالحى، كما يعرف نفسه، وجود نفر من أهالى مدينته الحدودية يعملون فى التهريب بأنواعه المختلفة، لكن هذا لا يعنى من وجهة نظره أن أهل المدينة كلهم مهربون أو خارجون على القانون «مش معنى إن فيه حد بيشتغل فى التهريب يبقى كل البلد والقبائل مهربين»، مضيفاً «زى أى مكان فى الدنيا، فيه الحلو والوحش وحرام إننا ناخد الكويس بذنب غيره». على شاطئ بحر السلوم المهجور وأمواجه الهادرة، يحكى حسن على، الشاب العشرينى، عن زيارته الأولى لمدينة الإسكندرية، فى شهر أغسطس الماضى، التى ربما تكون الأخيرة بسبب المعاناة التى عانى منها بمجرد أن وطأت قدماه أرض المدينة الساحلية، عندما قامت دورية أمنية باعتراضه، بسبب ملامحه البدوية التى تطغى على وجهه الخمرى وجسده النحيف، تزداد الأمور تعقيداً، مع إبراز حسن هويته الشخصية بناء على طلب أحد أمناء الشرطة، الذى قال له ساخراً بمجرد مشاهدة محل الإقامة «انت من السلوم دى ماركة مسجلة»، لم يجد الشاب العشرينى ما يقوله وأمام صمته، طلب ضابط الشرطة الذى يقود الدورية من الأمين «اكشف على البطاقة وشوف عليه حاجة كده»، دقائق تمر يتأكد خلالها الضابط من خلال اتصال تليفونى أن حسن ليس مطلوباً لدى الجهات الأمنية أو خارجاً على القانون، لكن توقعات الشاب القادم من قرية أبوزريبة إحدى القرى التابعة لمدينة السلوم بانصرافه، اختلفت تماماً بعد قيام الدورية الأمنية باصطحابه معها إلى القسم، ليتعرض لاستجواب تجاوز الساعة، على حد تقديره، ثم يُطلب منه الانتظار لدقائق فى الخارج، امتدت إلى ساعتين ونصف، ليسمح له بعدها بالانصراف.[SecondImage] يولى الشاب البدوى بصره صوب مياه البحر الزرقاء التى تمتزج فى نهايتها مع زرقة السماء، ليختتم كلامه قائلاً «أنا خريج جامعة، ومش لاقى شغل أنا وغيرى وهما بيعتبرونا مهربين» يعاود النظر لى قائلاً «هما كده اللى بيصنعوا المهربين، ومن واجب الدولة علينا إنها توفر لنا شغل نعيش منه بالحلال». عدد الذين تحوم حولهم شبهة التهريب من أبناء السلوم لا يتجاوز 50 شخصاً، وفقاً لتقديرات عمدة شباب السلوم، بينما المدينة والقرى التى تتبعها يقيم فيها عشرات المئات من الأسر، ومنهم خريجو الجامعات والأطباء والصيدلة والمحامون وغيرهم، مثل جميع المناطق فى مصر، رغم النقص الشديد فى الخدمات التى تعانى منها مقارنة بمحافظات وادى النيل، موضحاً أنه ليس من العدل أن توجه لهم تهم بأنهم مهربون. الوصمة التى تلاحق أهالى مدينة السلوم وضواحيها، لا تقتصر على التعامل الأمنى، وإنما تمتد إلى التعامل مع الناس، كما يقول حميد رافع، أحد قاطنى المدينة الحدودية «الناس بتتعامل معنا بحذر أحياناً أو تتجنب التعامل معانا خالص بمجرد معرفتهم إننا من السلوم أو سيدى برانى»، ففى إحدى المرات التى زار فيها القاهرة، أثناء محاولته الإقامة بأحد الفنادق الشعبية، وبعد سؤال موظف الفندق وتأكيده لوجود غرفة يمكنه الإقامة فيها، تغير موقفه بعد اكتشافه أنه من السلوم بمجرد اطلاعه على بطاقة الهوية التى طلبها لتدوين بياناته، اعتذر له قائلاً «مافيش غرف فاضية»، وهو ما تكرر فى فندق آخر، وهو ما دفعه إلى تغيير بياناته الشخصية فى بطاقته ورخصة القيادة والسيارة التى كان يتعرض بسببها إلى ما يسميه معامله خاصة أثناء مروره على الكمائن الأمنية، لتتغير طريقة التعامل تماماً بعد تغيير بياناته الشخصية. «السروال ده أصبح مجرد شبهة» بهذه الجملة يعبر محمد عادل الذى يمسك بتلابيب ثيابه، عن الاتهام الذى يتعرض له أهالى المدينة، التى تعتبر الأصغر فى مصر من حيث المساحة وعدد السكان، وهو ما تعرض له أثناء سفره برفقة شقيقه إلى محافظة المنيا فى صعيد مصر لزيارة أحد أقاربه هناك، ليقبع داخل سيارة البوكس القابعة على أطراف الكمين لمدة 40 دقيقة، حتى يأتى أحد الضباط ليسأل عن سبب وجودهم، ثم يسمح لهم بالانصراف.[ThirdImage] مع غروب الشمس يستعد سعيد أبوسعد، أحد أبناء السلوم للسفر إلى القاهرة، التى حل عليها فى صباح اليوم التالى، بعد 8 ساعات قطعها فى الطريق من السلوم إلى الجيزة، بهدف الانتهاء من تخليص بعض الأوراق التى تتعلق بطبيعة عمله التجارية، يحكى الشاب الثلاثينى الذى لم يتجاوز العقد الرابع من العمر، أن عدد الكمائن التى مر عليها من أجل الوصول إلى القاهرة تجاوزت 9 كمائن أمنية، بعضها تابع لقوات الجيش والبعض الآخر تمارس قوات الداخلية فيه عملها، منها 5 كمائن داخل حدود محافظة مطروح، مروره عليها كان عادياً، لا يستغرق دقائق معدودة، يتم فيها الاستفسار عن هويته ورخصة القيادة والسيارة والمكان الذى يقصده، لكنه كلما اقترب من القاهرة تزداد الأمور تعقيداً، حيث يتم توقيفه ويطلب منه الانتظار لعدة ساعات، تنتهى بانصرافه ليتكرر الموقف فى كمين آخر، كانت أسوأ معاملة تعرض لها الشاب فى ميدان الجيزة بمجرد مشاهدة أحد أمناء الشرطة لأرقام السيارة التى تظهر تبعيتها لمحافظة مرسى مطروح، قام بتوقيفه «رخصك فين؟»، وبمجرد أن تلمح عيناه كلمة «السلوم»، يتغير أسلوب وطريقة أمين الشرطة قائلاً «انت من السلوم وجاى هنا تعمل إيه انزل تعالى معايا»، لتبدأ سلسلة إجراءات تستمر حتى سواد الليل تسفر عن لا شىء، تنتهى بتسليمه أوراقه ومطالبته بالانصراف. يؤكد العائد إلى بلدته الحدودية أن هذه الوصمة يصدرها الإعلام لنصبح متهمين، وهذا ما نشعر به ويصدره لنا التعامل مع سكان المحافظات الأخرى والأجهزة الأمنية فيها، رغم أن علاقتنا بهم داخل السلوم جيدة بل بالعكس نتعاون معهم.