هل أكل الحشرات حرام؟

إذا كنت مسلماً مقيماً فى إحدى دول الاتحاد الأوروبى أو قمت بزيارتها، فلا تتفاجأ عند دخولك الأسواق العامة بوجود عدة أنواع من الأطعمة تحتوى على مسحوق الصراصير والديدان وعدد من الحشرات التى تتأذى نفسياً عند رؤيتها على الطبيعة!! فاجتنبها كما تجتنب لحم الخنزير.فقد أقرت هيئة سلامة الأغذية الأوروبية الحشرات والديدان كمكون غذائى للبشر، يمكن استخدامه فى الخبز والبيتزا والصلصة واللفائف والبسكويت والمكرونات.. إلخ.

وفى مداخلة لى على قناة «المشهد» من دبى، سألنى الإعلامى القدير طونى خليفة عن حكم الإسلام فى أكل الحشرات والديدان بعد ما سمعنا تقريراً مصوراً عن هذا الموضوع، وكان هذا جوابى: لقد فصل الإسلام فى تقرير المكون الغذائى الحلال للمسلمين خاصة وللبشر عامة، باعتبار أن الله تعالى قد خلق الخلائق كلها بقدر، قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» القمر: 49 يعنى كل مخلوق له مهمة فى الحياة وفق التوازن الربانى فى الكون والبيئة، فليست كلها صالحة كطعام للإنسان!أما عن الحلال والحرام فى طعام الإنسان، فقد بيّنه القرآن الكريم تبياناً، وأكدته سنة النبى صلى الله عليه وسلم. قال تعالى «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» [الأنعام: 119]. وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [البقرة: 172] وقال تعالى: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ» [الأعراف: 157].

وبالتالى فإن طعام الإنسان الحلال وفق شريعة الإسلام منصوص عليه فى القرآن والسنة، كما أن الحرام منهى عنه أيضاً. وقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث! يعنى ما هو منصوص على حرمته كأكل لحم الخنزير، والميتة، قال تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير» (المائدة: 3).وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة أكل الكائنات التى أمر رسول بقتلها أو نهى عن قتلها!! مثل الحشرات والثعابين والحدأة.. إلخ. فما أمر رسول الله بقتله، لا يجوز أكله، قال عليه الصلاة والسلام: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِى الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». وقال: «اقتلوا الحيات»، ونهى أيضاً عن قتل بعض الكائنات مثل الضفادع، فوفق الحديث «نهى رسول الله عن قتل الضفدع»، رواه أحمد، فهذا يدل على حرمة أكله أيضاً. ومن قواعد التحريم المشهورة فى الطعام! حرمة أكل ما يتغذى على القاذورات كالحشرات، فضلاً عن عدم تقبله من الطبائع البشرية السوية.

فالحشرات كلها محرمة كطعام للإنسان، كما الميتة تماماً، ولا استثناء من ذلك سوى السمك والجراد، وفق الحديث الشريف: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»، رواه مسلم. فالجراد هو الحشرة الوحيدة التى يجوز أكلها، لأنها تتغذى على الزروع وليس على القاذورات. وتأكيداً على حرمة تناول الحشرات كطعام، ذكر القرآن فى سياق ذكر قصة آل فرعون فى سورة الأعراف، أن الله عاقبهم بإرسال بعض الحشرات لتكون فى طعامهم!! قال تعالى: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ» (الأعراف: 133) الطوفان اقتلع بيوتهم وهدمها، والجراد أكل زرعهم، والقمل والضفادع والدم أفسد طعامهم وعلى ذلك فلا يجوز أكل الحشرات أو الأطعمة المنهى عنها كلحم الخنزير والميتة إلا إذا كان الإنسان يصارع الموت ولا يجد طعاماً غيره! يجوز فقط أكل الكائنات المحرمة فى حال الاضطرار عند الخوف من الهلاك، فيأكل منها بقدر ما يأمن معه من الموت، ولا يزيد على ذلك. قال تعالى: «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» (الأنعام: 119).

ويجوز أيضاً تناولها عند تدريب المقاتلين فى سلاح الصاعقة والقوات الخاصة، لتهيئتهم على الظروف القاسية فى مهامهم بالصحراء وخلف خطوط العدو، وعند قطع الإمدادات. أما ما عدا ذلك، فلا يجوز الأكل من الأطعمة التى تحتوى على مسحوق الحشرات أو الضفادع.. إلخ. وإذا كان العالم اليوم يعتمد أكل الحشرات والكائنات التى لم يخلقها الله للغذاء!! كمصدر جديد للغذاء؟ فعليه أولاً مكافحة إهدار مليار طن من الأغذية الصالحة سنوياً وفق تقديرات الأمم المتحدة!!فوفق تقرير مؤشر هدر الأغذية لعام 2021، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن نحو مليار طن من المواد الغذائية، تعادل 17% من إجمالى الأغذية الصالحة للاستهلاك الآدمى تهدر سنوياً!! الصين والهند وأمريكا وألمانيا من أكثر الدول هدراً للطعام فى العالم بإجمالى بمعدل تقريبى 180 مليون طن سنوياً.

فى مصر: ووفقاً لتقديرات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بلغ متوسط حجم هدر الغذاء للفرد الواحد خلال عام 2021 إلى 91 كيلوجراماً!! بإجمالى 9 ملايين و136 ألفاً و941 طناً من الطعام، وتتزايد نسبة الغذاء المهدر فى المناسبات الخاصة كشهر رمضان والأعياد والمهرجانات وفى الفنادق!!

ولا يخفى على أى عاقل أن إهدار الطعام جزء من البطر الذى نهانا عنه القرآن الكريم، وبين أن الشعوب التى تبطر نعم الله حتماً ستحرم منها!!قال تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ» (سورة القصص: 58). والبطر هو: إهدار للمال والطعام من غير فائدة عند الشعور بالرفاهية، فينفق الإنسان المال لغير حاجة، ويتباهى بإهدار الغذاء!حذرنا القرآن الكريم من البطر كونه داء الأمم السابقة، وسبب زوال النعم وجلب الكوارث، وحلول النقم.

وذكر القرآن نماذج كثيرة لشعوب أساءت مع نعم الله وفضله، فكان جزاؤها أن أذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون!! كمملكة سبأ: وقوم عاد: وقوم ثمود: وقوم مدين إلخ. قال تعالى فى شأن سبأ: «لَقَد كَانَ لِسَبَإ فِي مَسكَنِهِم ءَايَة جَنَّتَانِ عَن يَمِين وَشِمَال كُلُواْ مِن رِّزقِ رَبِّكُم وَاشكُرُواْ لَهُ بَلدَة طَيِّبَة وَرَبٌّ غَفُور (15) فَأَعرَضُواْ فَأَرسَلنَا عَلَيهِم سَيلَ العَرِمِ وَبَدَّلنَاهُم بِجَنَّتَيهِم جَنَّتَينِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمط وَأَثل وَشَىء مِّن سِدر قَلِيل»، (سورة سبأ). وقال تعالى فى شأن أهل مكة: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون»َ (112 - سورة النحل».وعلينا التدقيق فى قوله: «فكفرت بأنعم الله» ولم يقل فكفرت بالله؟! ذلك بأن الله تعالى لا يسلب نعمه من الكافر به لمجرد كفره!! فعقيدة الإنسان سيحاسب الإنسان عليها عند الله يوم القيامة فقط. إنما يحاسب الإنسان على تلاعبه بأنعم الله وإهداره لمقدرات الغذاء وحوله جوعى وفقراء حول العالم!! أخشى أن يأتى اليوم الذى يخرج علينا معمّمون متشرّعون من العالم العربى والإسلامى يبيحون ويشرعنون أكل الحشرات والثعابين تماشياً مع الوجهة التسويقية الغربية التى تهدد هويتنا الدينية والوطنية حتى فى الطعام!! وما بقى أمامنا سوى الحفاظ على ما تبقى من هويتنا القيمية والوطنية.وصدق رسول الله صلى الله عليه حينما ذكر الفتن وجزاء التمسك بالإيمان فيها فقال: «إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم أو خمسين منا. قال: خمسين منكم» (رواه الطبرانى).والله المستعان.