تشهد الساحة السياسية فى مصر خلافات بين نخبتها السياسية، وتحالفات وانسحابات من تلك التحالفات، ثم عودة إلى التحالف، مما جعل قصيدة أمير الشعراء التى بدأها بقوله «إلام الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما *** وَهَذى الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما»، «وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ *** وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما» هو أصدق وصف يطلق الآن على المشهد السياسى، ومصر على مقربة أسابيع من إجراء الانتخابات التشريعية وإنجاز الاستحقاق الثالث من خارطة المستقبل!
من ناحية أخرى، يصدق على النخبة السياسية فى مصر الآن عنوان «يا نخبة ما تمت» وهو الكتاب الذى أصدرته الكاتبة الصحفية «نشوى الحوفى» منذ أكثر من عام. فمنذ تمت موافقة الأغلبية الكاسحة على دستور 2014 وإنجاز انتخابات الرئاسة فى مايو الماضى، بدأت الأحزاب المدنية الانشغال بقضية انتخابات مجلس النواب. وظلت الأحزاب المدنية التى وصل عددها إلى ما يقرب من تسعين حزباً تمارس لعبتها المفضلة وهى إشغال الناس بأخبار اجتماعاتها وإعلان تحالفات بينها، استعداداً لانتخابات مجلس النواب. وقد استمرت الأحزاب فترة فى خلاف مع بعضها البعض وخلافات أيضاً مع الحكومة حول قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، والنسبة التى يفضلها البعض للقوائم وتلك التى تخصص للمقاعد الفردية. وظلت الحرب الكلامية محتدمة بين زعماء ورؤساء الأحزاب المصرية العتيدة، بينما الحكومة ماضية فى تقسيم الدوائر وتحديد أعدادها وبيان تلك المخصصة لمرشحى النظام الفردى وتلك الخاصة بالقوائم، ولم تحقق الأحزاب شيئاً، وتحقق قول نشوى الحوفى «يا نخبة ما تمت».
وكان للحكومة ما أرادت، وصدر قانون تقسيم الدوائر دون أن تستطيع الأحزاب العتيد منها والناشئ فعل أى شىء سوى التصريحات العنترية. بعد ذلك بدأت مسرحية هزلية أطلق عليها «تحالفات انتخابية» تارة، و«تحالفات سياسية» تارة أخرى، ووصلت تلك الأقاويل إلى حد ترويج شائعات باندماج بعض تلك الأحزاب التى توصف مرة بأنها «أحزاب كرتونية» ومرة أنها «أحزاب هامشية»، وفى جميع الأحوال فهى مقار تحمل لافتات بأسماء أحزاب، دون أن يكون لها وجود حقيقى على الأرض!
ثم بدأ فصل جديد من مسرحية التحالفات فيما أطلق عليه «تشكيل جبهات» يضم كل منها عدداً من الأحزاب بغرض تشكيل قائمة موحدة من أعضاء كل جبهة لخوض انتخابات مجلس النواب فى دوائر القوائم. وفى ذات الوقت كان د. كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق، والمستشار الاقتصادى لرئيس الجمهورية منذ محمد مرسى وإلى الآن، منشغلاً فى تشكيل قائمة «وطنية» تضم العناصر المفروض أنها من مؤيدى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وقد سارع كثير من رؤساء وأعضاء الأحزاب لحضور اجتماعات مع الدكتور الجنزورى على أمل الانضمام إلى قوائمه. وحين لم يجدوا ما يتمنونه من حيث الترحيب منقطع النظير أو القبول بالأعداد التى طالبوا بضمها إلى قائمة الجنزورى، سارعوا بإعلان الانسحاب ومقاطعة الرجل وقوائمه، وحين أتيحت لهم فرصة لقاء الرئيس السيسى كان مطلبهم الأساسى منع د. الجنزورى من استخدام مكتبه الرسمى فى مقر هيئة الاستثمار فى أعمال تتصل بتشكيل القوائم، هذا إضافة إلى أن كثيراً من مسئولى تلك الأحزاب روجوا لمقولة إن قوائم الجنزورى مدعومة من الدولة!
فى الوقت نفسه تكرر ظهور شخصيات سياسية باعتبارها على رأس القوائم التى يشكلها حزب أو آخر، وفجأة تختفى تلك الشخصيات وتتوارى فى الظل، ثم تعود لتكون مثاراً لأحاديث صحفية وإعلامية باعتبارها راعية لتحالف أو آخر، وتستمر المسرحية على مسرح مصر المحروسة، والجمهور غير مكترث لا بالمسرحية ولا بالممثلين والمخرجين!
وعلى مدار السنة الماضية، انصرفت الأحزاب المدنية إلى لعبة التحالفات والانسحابات التى لم تحظ بانتباه الناخبين وهم أصحاب المصلحة الحقيقية فى تلك الانتخابات، ولم يقدموا أى أفكار أو برامج توضح ماذا هم فاعلون إذا قيض لبعضهم الفوز بعضوية مجلس النواب. ولم يتدبروا أمورهم فى شأن الإعداد والاستعداد لعملية انتخابات هى الأخطر فى كل تاريخ مصر الحديث، ولم يعمدوا إلى اختيار أفضل عناصرهم الحزبية وأقدرهم على خوض معركة الانتخابات وتسليحهم بالثقافة السياسية والقانونية اللازمة لنائب فاعل فى البرلمان الأول.
ثم كان لقاء رؤساء بعض الأحزاب مع الرئيس السيسى الأسبوع الماضى حين أطلق الرئيس دعوته لمن التقاهم بأن الأجدى لهم التفكير فى تشكيل قائمة وطنية موحدة. واعتبر البعض تلك الدعوة نوعاً من التدخل من جانب الرئيس فى العملية الانتخابية وهذا غير مقبول، واعتبرها البعض الآخر أنها دعوة لتشكيل حزب واحد وذلك مناقض للدستور الذى يؤكد على التعددية السياسية. ورغم هذا فقد سارع بعض رؤساء الأحزاب بتأييد دعوة الرئيس والدعوة إلى اجتماع تشاورى بين كل الأحزاب لتحقيق فكرة الرئيس! ولكن من حسن الحظ أن ذلك الاجتماع لم يتم بسبب رفض أغلب المدعوين الحضور!
كل هذا والخطر الأكبر جاثم على مصر وعلى مستقبلها السياسى والديمقراطى وهم جماعة الإخوان الإرهابية وأعوانهم وحلفاؤهم من المتأسلمين وداعمى الإرهاب، يعملون فى صمت وبلا كلل ليعيدوا المشهد إلى ما كان عليه قبل انتخابات مجلس الشعب فى 2012 يوم حصدوا أغلبية المقاعد وساندوا عدداً من مدعى الثورية على النجاح فى الانتخابات ليكونوا وجهاً ثورياً يجملون بهم فاشيتهم ورغبتهم الأكيدة فى التهام السلطة فى مصر.
وختاماً دعونا نسترجع بعضاً من قصيدة شوقى:
وَأَينَ ذَهَبتُمُ بِالحَقِّ لَمّا *** رَكِبتُم فى قَضِيَّتِهِ الظَلاما
لَقَد صارَت لَكُم حُكماً وَغُنماً *** وَكانَ شِعارُها المَوتَ الزُؤاما
وَكانَت مِصرُ أَوَّلَ مَن أَصَبتُم *** فَلَم تُحصِ الجِراحَ وَلا الكِلاما
تَباغَيتُم كَأَنَّكُمُ خَلايا *** مِنَ السَرَطانِ لا تَجِدُ الضِماما
وَلينا الأَمرَ حِزباً بَعدَ حِزبٍ *** فَلَم نَكُ مُصلِحينَ وَلا كِراما
وتحيا مصر.
فى الوقت نفسه تكرر ظهور شخصيات سياسية باعتبارها على رأس القوائم التى يشكلها حزب أو آخر، وفجأة تختفى تلك الشخصيات وتتوارى فى الظل، ثم تعود لتكون مثاراً لأحاديث صحفية وإعلامية باعتبارها راعية لتحالف أو آخر، وتستمر المسرحية على مسرح مصر المحروسة، والجمهور غير مكترث لا بالمسرحية ولا بالممثلين والمخرجين!