25 يناير والإنسان المصرى

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

أربعة أيام تفصلنا عن الذكرى الرابعة للخامس والعشرين من يناير للعام 2011، والجدل حول طبيعتها ما زال قائماً وإن خفت حدته عن ذى قبل. البعض يراها ثورة شعبية مصرية خالصة، يقابله من يرونها مؤامرة خطط لها متآمرون فى الداخل والخارج، وبين الأمرين هناك من يعتقد أنها مزيج بين هذا وذلك. التعددية فى الرؤية وفى منهج النظر حالة صحية شرط أن يكون الحوار عقلانياً يحمل الحجة ويرد بالمنطق وهو الأمر الغائب جزئياً حتى اللحظة. وفى كل الأحوال نحن أمام مواقف طبيعية تجسد اختلاط معايير المصلحة الذاتية والتوقعات التى كانت والعائد الذى حدث بالفعل. والمؤكد أن الوصول إلى وصف أكثر دقة لما جرى سيكون مهمة المؤرخين وليس مهمتنا نحن المعاصرين الذين نعيش اللحظة بمشاعرها ومصالحها وخيباتها وإنجازاتها. ولعل السؤال الذى سيفرض نفسه على من يريد أن يؤرخ لهذه المرحلة أن يجيب عن: لماذا تم اختيار يوم 25 يناير تحديداً، ليكون يوماً للاحتجاج الذى تحول إلى يوم لسقوط الشرطة المصرية؟ تاريخياً هو يوم مجيد للشرطة المصرية ويعود للعام 1952 حين واجه بعض الجنود والضباط فى قسم شرطة الإسماعيلية جنود الاحتلال البريطانى الأكثر عدداً وتسليحاً، ورفضوا الاستسلام وفضلوا الشهادة إعلاء لقيمة الدفاع عن رمز مهم لسيادة الوطن. الآن تحول اليوم الرمز فى تاريخ الشرطة المصرية إلى يوم رمز مزدوج، هو رمز سقوط للشرطة ويوم انتفاضة للشعب. حل الإشكالية بحاجة إلى بعض الوقت وكثير من الهدوء. بعيداً عن هذه التساؤلات المتشابكة، نرى الأوضاع فى مصر الآن أكثر هدوءاً مقارنة بما كانت عليه قبل عدة أشهر مضت، وبالتأكيد هى أفضل كثيراً مما كانت عليه فى الأشهر التالية مباشرة لاختفاء مبارك عن قمة المشهد السياسى. ثمة تراكم يحدث للأمام لا شك فى ذلك، ويمكن أن نصفه بأنه بطىء أو محدود قياساً لثورة التوقعات التى انتابت المجتمع بعد زوال نظام مبارك ورموزه. ومع ذلك يمكن القول بأن مصر ما زالت فى منتصف مرحلة انتقالية بالمعنى الشامل للتعبير، ليس لأننا لم نصل بعد إلى إعادة بناء المؤسسات، ولكن لأن التوافق العام بين المصريين بشأن المستقبل ما زال غائباً، ولأن هناك شريحة كبيرة من المصريين سواء بالمعنى الجيلى أو بالمعنى السياسى ترى أنها غائبة عن المشهد أو أن حقوقها ما زالت مهدورة أو أن جهدها قد سُرق منها، وهى كلها أسباب قابلة للمناقشة والكثير منها يسهل دحضه بالمنطق العقلانى. وأذكر هنا فى العام 2002 شاركت فى بحث ميدانى لمجموعة من الصحفيين والباحثين المصريين حول أوضاع بلدان أوروبا الشرقية بعد مرور عقد من سقوط الأنظمة الشيوعية فيها على أيدى انتفاضات وثورات شعبية عارمة غيرت مجرى تاريخ أوروبا والعالم معاً، وفى كثير من المقابلات التى قمنا بها مع رموز هذه البلدان التى شاركت فى الثورة وفى النظم السياسية الجديدة تأكد لنا أن كل المجتمعات انتابتها هزة عميقة استمرت خمس أو ست سنوات، وبعد هذه الفترة بدأت ملامح التعافى والاستقرار ثم الانطلاق. شىء من هذا يحدث فى مصر الآن. غير أن المشاعر الجماعية كالتى تنتاب الكثير من المصريين تحتاج إلى ما هو أكثر من المنطق العقلانى للمناقشة، فالناس بحاجة إلى واقع يعيشونه. وهنا تبدو الصعوبة الكبرى. فحين يأتى إليك أحد الشباب مهموماً ويشكو من أنه لا شىء تغير فى حياته، وأن المشاكل التى كان يعانيها قبل 25 يناير هى ذاتها التى يعانيها الآن، وأن المستقبل غير واضح وأن الحكومة تعمل بنفس آليات حكومات مبارك وأنها تتجاهل المطالب الحقيقية للناس!!. وحين تسأله عن معنى التغيير الذى يأمله فى حياته وما الذى كان ينتظره من مصر بعد الثورة، وما هو الدور الذى يجب أن يقوم به هو نفسه، لا تجد إجابات شافية، فقط الشكوى وعدم الرضاء والنظرة المتشائمة وإلقاء اللوم كله على طرف آخر. وكم من مرة يبحث مسئول عن زميل له فى العمل ويجد أنه فى مكان آخر يعمل فيه بكل جدية والتزام لأن عائده أكبر، وحين تسأله لماذا لا تترك مكانك الحكومى لغيرك يقول لا يوجد من يمكنه أن يجبرنى على ذلك. البعض منا يريد أن يتغير الآخرون، ولكنه لا يريد لنفسه أن تتغير. وهنا جزء كبير من المشكلة. وكم من مسئول على قمة مؤسسة أو شركة أو هيئة يشكو أيضاً بأن الثورة غيرت الكثير من المعادلات، وأضافت الكثير جداً من المشكلات وأهمها المطالب المُبالغ فيها أحياناً والحقوق المشروعة أحياناً أخرى ولكن مؤسسته أو هيئته لا تستطيع أن تفى بها ما دامت ظروفها وأوضاعها لم تحقق التغيير الشامل الذى يصفى أولاً المشكلات التى تراكمت عبر عقود طويلة مضت، وهى بحاجة إلى موارد وكفاءات بشرية وخطط طموحة، ولكن متأنية وبعض الوقت ومزيج من التنسيق مع الجهات المعنية خاصة الحكومية، وكل ذلك غير موجود اللهم إلا فى الحد الأدنى الذى يساعد على تسيير العمل اليومى بصعوبة، ولكنه لا يحقق الاختراق المطلوب. الكل يشكو، من هو فى قمة المسئولية، ومن هو فى أوسطها ومن هو فى بداية مشواره. وهى حالة عدم رضاء عامة، تؤكد لنا أننا بحاجة إلى التوقف عن الشكوى بعض الوقت والتوقف عن المطالبة بأشياء نعلم جيداً أن عناصرها غير متوافرة بعد. بث الشكوى الحقيقية منها أو المتصورة، والشعور بعدم التغيير والمبالغة فى المطالب وقلة الإمكانات وضبابية الرؤية المجتمعية للمستقبل وسهولة توجيه الانتقادات بدون معلومات أو بمعلومات منقوصة، والبيئة الصراعية وافتعال مواجهات إعلامية وسياسية لا سند لها فى الواقع، كلها عناصر كفيلة بأن تجعل البلاد فى حالة من عدم اليقين، وبالتالى تزيد من الاحتقان المجتمعى وتقلل فرص التغيير المطلوب. بعبارة أخرى إن إحداث نقلة فى حياتنا ليس مسئولية الحاكم أو المسئول فقط ولكنها مسئولية مشتركة تتوزع بين كل المستويات وكل الفئات. جزء من الأمر يتعلق بالضمير الجمعى. إن حدث هذا الأمر، أى تغير الضمير الجمعى وأصبح أكثر شفافية مع الذات ومع الغير، تكون الثورة حققت أحد أهم أهدافها وهو تغيير الإنسان المصرى. فبدون هذا التغيير لن تفلح ثورة مهما كان عدد كلمات المدح والإشادة.