كي لا يختل إيقاع حياتك
دفعتني أصوات الماكينات العملاقة في مصنع شركة مصر للغزل والنسيج، خلال زيارة عمل، إلى الابتعاد سعياً للهدوء لإتمام مُكالمة هاتفية، وبينما أفكر في توقيت مناسب لموعد بالقاهرة عقب العودة، تسمرت أمام صرحٍ يُعانق السماء، يعلوه ساعة عملاقة، هو «برج الساعة» الشهير بالشركة، لأتساءل: هل مازلنا ندرك قيمة الوقت؟
ذلك البناء الخرساني الشاهق الذي يقترب من عامه الثمانين، ثان أقدم بناء وقتي بعد ساعة «بيج بن» التي تطل على نهر التايمز بالعاصمة لندن، وكلاهما شيده الإنجليز، دون أن يقصدوا بلا شك مجرد هيكل ذو طابع جمالي، أو آلة لمعرفة التوقيت، بل أيقونة تجسد قيمة «الوقت» الذي يجب أن يحترمه الجميع، وقديماً قال الفيلسوف الإغريقي «ثاوفرسطس»: «الوقت أثمن ما يمكن أن ينفقه الإنسان، ولذا كان الهدف من إنشاء برج الساعة بالمحلة الكبرى، إيجاد ساعة في قلب شركة الغزل، تدق أجراسها في توقيتاتٍ مُنتظمة، بصوتٍ يصلُ إلى كافة المصانع، يسمعه جميع العمال، فيعرفون كم مر على بدء العمل، ومتى تنتهي الوردية، ليخلق التزامن بين حركة العقارب ودوران الماكينات، الانضباط المنشود، كأحد أهم عناصر النجاح لأي مشروع».
أعود للسؤال الذي طرحته في بداية حديثي: هل مازلنا نُدرك قيمة الوقت؟ لاشك أن الواقع الذي نعيشه يعكس تراجعاً نسبياً لإدارك هذه القيمة، رغم أن «الساعة» غدت شديدة الالتصاق بنا، وتوجد على خلفيات الهواتف النقالة والأجهزة اللوحية في أيدينا، والساعات الذكية في معاصمنا، والحواسيب فوق مكاتبنا، وكل الوسائط الرقمية شديدة الانتشار راهناً، غير أن التواجد الدائم لها أمام أعيننا، لا ينعكس بالضرورة على إيقاع حياتنا والأدوار التي يكون علينا أداؤها يومياً في التعليم، والعمل، والمهام الحياتية.
وربما يقودنا هذا الطرح إلى تساؤل آخر؟ متى حرصت آخر مرة على وضع إطار زمني للمهمة التي أنت بصددها، وسعيت للالتزام به بدقة؟ إن مجرد استغراق وقت في التفكير لإيجاد إجابة للسؤال، يشير إلى أننا على الأقل لم نقم بذلك في آخر مهمة لنا أمس أو اليوم، فمنذ نعومة أظافرنا نضع جدول للاستذكار نعلقه في مكان بارز، ونستمر في التراخي لنجد أنفسنا مضطرين لاستيعاب المادة في ليلة الامتحان، ويكبُر معنا «التسويف» ليرافقنا في مراحل مختلفة من حياتنا، فنغدو آباءً لا نسرع بإصلاح التلف في أعمال الكهرباء أو الخلل في السيارة مثلاً ليتفاقم الوضع ويكون التدخلُ أكثر تكلفة، حينها لا يجبُ أن نندهش حين نجد أبناءنا لا يعرفون قيمة الوقت وأهمية استثماره.
لعل الحل في تجاوز هذه الإشكالية يكمن في عدم اعتبار أداء المهمة في حد ذاته مقياسًا للإنجاز، فلا يمكن قبول أن يكون ذلك نهجًا لحياتنا، والأهم أن يقترن ذلك باختصار الوقت دون إخلال بجودة العمل والإتقان، والانضباط لا يمكن اختزاله في التأخر عن موعد، حيث قد يعتبر البعض ذلك السلوك لا يمثلُ نهاية العالم، ولكن الالتزام بالوقت يُكسب الحياة إيقاعًا منضبطًا يجعل منها أسهل، وأكثر نجاحًا، فالوقت في عالم المال يقاسُ بالنقود، والتأخر في إبرام صفقة أو القرار بالتصرف تجاه أسهم شركة ما، قد يجلب ملايين أو يؤدي لخسارة فادحة، كما أن الوقت في عالم الطب يمس حياة البشر، وفي عالم الأمن قد ينقذ حياة أبرياء أو يؤدي إلى هرب لصوص عتاة، والتأخر في عالم الإدارة يقود حتمًا إلى تفاقم الأزمات وارتفاع الفاتورة اللازمة لحلها.
وأخيراً.. الالتزام بالوقت الذي ننشده، لا يعني بأي حال الاختناق بجدول زمني مُحكم، بالشكل الذي يجعلنا أسرى الروتينٍ القاتل، فلا بأس أن تكسر قيود الوقت للحظات، كأن تؤخر ميعاد إفطارك الصباحي ساعة، ولكن شريطة ألا يتقاطع ذلك مع الترتيبات ذات الأولوية، أو يؤثر على الآخرين، ولكن احذر أن تُرخي حبال الوقت بلا حساب، فيختل إيقاع حياتك، وتعضُ يوماً أصابع الندم، بعد أن «فات الميعاد».