من الإسراء إلى تحويل القبلة

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

حدثان عظيمان فى توقيت متقارب، فيهما من الدروس والعبر الكثير، الحادث الأول: رحلة الإسراء والمعراج، والثانى تحويل القبلة فى شهر شعبان، قال ربنا: (سبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى)، والإسراء والمعراج من أهم الأحداث فى التاريخ الإسلامى، فالليلة تشير إلى الرحلة الإعجازية للنبى محمد، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى القدس، ثم من القدس إلى السماء، حيث تلقى الوحى الإلهى والتقى بالأنبياء والملائكة.

ومرّت رحلة المعراج بسبعة مستويات فى السماء: فى المستوى الأول، التقى بآدم، عليه السلام، وفى الثانى التقى بنوح، وفى الثالث التقى بيوسف، وفى الرابع التقى بإدريس، وفى السماء الخامسة التقى بهارون، وفى السادسة التقى بموسى، وفى السابعة التقى بإبراهيم، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

فالحادث عميق، يرمز إلى قيادة نبى الهدى ومكانته وعظمته، وإلى قوة الإيمان، والاطلاع على العوالم المختلفة، والانفتاح على الآخر، وشهدت الحادثة على الطبيعة الإعجازية لرسالة النبى الكريم، وإيمانه الراسخ بالله، وتذكير للمسلمين بأهمية الصلاة، وما تبرزه من أخلاقيات ومنافع للناس، وليست ركوعاً وسجوداً فقط، وإنما أهمية التخفيف على الإنسان.

ويأتى درس مهم متعلق بمكانة المسجد الأقصى فى كيان الأمة، وقدسيته فى نفوس المسلمين، ووجوب عدم التفريط فيه، باتخاذ مواقف قوية ضد غاصبيه، وبعدم استغلاله أيديولوجياً وحزبياً وسياسياً، واستغلال حماس الناس عن طريقه، فكل ذلك من التفريط.

حادث تحويل القبلة: الصلاة التى فرضها الله فى المعراج، وصارت نحو قبلة بيت الله الحرام، أبان القرآن الكريم عن شىء من حِكمته من هذا التحويل، فقال: «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ».

قال ابن كثير فى تفسيره ما خلاصته: شرع الله لنبيه التوجّه أولاً إلى بيت المقدس، ثم صرفه عنها إلى الكعبة؛ ليظهر حال من يتبعه ويطيعه ممن ينقلب على عقبيه، ليوقن الناس أن كل ما جاء به الرسول الكريم هو الحق الذى لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة فى جميع ذلك؛ بخلاف الذين فى قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً، كما يحصل للذين آمنوا إيقانٌ وتصديق.

وتحويل القبلة يدل على أمرين مهمين: أولهما: التفرقة بين الغايات والوسائل؛ فعبادة الله تعالى هى الغاية، أما التوجّه لقبلة مكانية فهو وسيلة تنضبط بها العبادة، وليس أمراً مقصوداً لذاته.

وثانيهما: الإشارة إلى أن فكرة التحويل أو التغيير ليست خطأ فى ذاتها، وإنما هى تدور مع هدفها؛ فالتحولات ليست عيباً فى حد ذاتها، بل يمكن أن نسميها: مراجعة، إذا ما كانت تطويراً لرؤية، وتعديلاً لمنهج، وتصويباً لفتوى، ونقداً للذات، ورجوعاً للحق، واعترافاً بالخطأ، واستشرافاً للمستقبل، هنا لا ملام، لكنها تصبح كارثة حين تتم بانفعال وحدّة كرد فعل أو لأغراض لا علاقة لها بالقناعات.