حياة وموت.. وبينهما «18 سنة كردوسي»
«بئس المقام بأرضٍ ليس بها الكردوسى».. مر عام على رحيله المؤلم، وما زالت سحابة الحزن تخيم فوق سقف «الوطن»، قصف الموت القلم الذى طالما كتب عن الوطن وحب الحياة وقسوة المرض ووحشة الموت، بقيت هذه الكلمات ورحل صاحبها دون أن يودع أحداً، جفل وغرق فى غيبوبة طالت لعدة أشهر لم يستيقظ منها إلا ليلقى النظرة الأخيرة.
مات محمود الكردوسى بعد نحو 6 أشهر من الغياب الإجبارى على فراش المرض، تاركاً فى قلبى غَصة لم أستطع تجاوزها حتى الآن، اعتدت طوال 18 عاماً من العمل معه أن أقابله نهاية كل نهار، هكذا كان يسير عكس عقارب الساعة، يبدأ من حيث انتهينا وينتهى من حيث نبدأ، لا يقيس وقته بالساعة بل بحالته المزاجية، وقد يظل مستيقظاً طوال يومين يكتب دون أن يعى كم نهاراً وليلاً مرّا عليه، ثم ينام مثلهما ضارباً بعرض الحائط كل قوانين العمل التى تقيده وتحسب حضوره بالساعات.
كانت علاقتى بمحمود الكردوسى مختلفة، وكل من يعرفنا يدرك ذلك من الوهلة الأولى، بيننا صفات مشتركة رغم اختلاف برجينا، هو سرطان وأنا دلو، لكن كلانا يحب الحياة والصمت والعزلة والكسل، يزيد على ذلك ويصفنى بموهوبة مثله، فأخجل وأسارع بالرد: «إيش جاب لجاب»، ومع ذلك كثيراً ما كان يقسو علىَّ وينتقد طموحى المتواضع وعدم قدرتى على اكتشاف نفسى وتطوير مهاراتى، ليس هذا فحسب، بل يُبادر ويتحدث بلسانى باحثاً لى عن فرصة هنا وهناك، غير مكترث برد فعلى، حتى لو أزعجنى ذلك وصار مادة للتندر بينى وبين أصدقائى.
كل الذكريات مرت كشريط سريع وأنا أقف أمامه فى العناية المركزة بمستشفى وادى النيل، وجسده مسجى على سرير حديدى قابض فى غرفة باردة، تذكرت يوم حفل زفافى وهو يقف بجوارى مرتدياً سترة بيضاء هامساً فى أذن زوجى: «خد بالك منها.. دى تتاقل بالدهب»، ويوم ترددت كثيراً قبل أن أخبره بأننى أرغب فى إجازة أسبوع -وهى فى عُرف الكردوسى إجازة طويلة- خوفاً من أن يثور ويتهمنى بالتقصير، وتذكرت أيضاً يوم عيد ميلاد طفلتى الأولى وهو يحملها ضاحكاً: «دى شبهك بالظبط يا هبة»، الآن أحكى لفتاتى التى تخطو نحو عامها الـ14 عنك، وعن فخرى بأننى تلميذتك ونشأت تحت جناحيك.
عاش الكردوسى 64 عاماً بسيطاً متواضعاً مترفعاً عن الاستفادة من موهبته، كانت الحياة تحلو له بطولها وعرضها، يوماً بيوم، لا يحسب للأمس، فقد مر، ولا يشغل نفسه بالغد، فهو بيد الله، يكتب عن الفن والحياة والسعادة فيحلِّق بك بعيداً فى فضاءٍ فسيحٍ، يكتب عن المرض والموت وأمه زينب البكرى فيبكيك، يكتب عن حكاية «مرة واحد صعيدى» فيُضحكك، هكذا الحياة بالنسبة له؛ لا شىء سوى ضحك وبكاء وبينهما ابنتاه «بيسان ويارا»، حتى مصائب الزمن ومشاعر الخذلان ولحظات الحزن والغضب والانكسار، يهرب منها إلى عالمه الصامت ليكتب ما لا يستطيع قوله خجلاً.
حكايات وذكريات تمتد من شارع جمال الدين أبوالمحاسن إلى شارع مصدق، سنظل نتذكرها دائماً ونكتبها كل عام فى ذكرى رحيلك، كنا نتذكرها معاً ونضحك، لكنها لم تعد تُضحكنا، كل شىء صار مختلفاً بعد غيابك.. حتى الصحافة والكتابة والوطن، رحم الله أستاذى محمود الكردوسى الذى رحل تاركاً صفحات كثيرة لم تُغلق، وكلمات لم تكتمل.