مبادرة «المقبلين على الزواج»: السرية أم المصلحة؟

هل في دوائرك القريبة حالاتُ زواجٍ لم تدم أكثر من مدة وجيزة؟ الإجابة حتماً: نعم؛ فحالات الزواج التي تنتهي سريعاً غدت ظاهرة مُتكررة، بكافة الأوساط الاجتماعية، بصورة تجعلها جديرة بالدراسة والفهم، وربما التدُخل، فآثارها لا تقفُ عند حُدود طرفي العلاقة، بل تمتد إلى المُجتمع خاصة إذا أثمرت عن أطفال.

وتعدُ الجوانب الطبية ـ بوجه خاصـ أحد المحددات المهمة التي تؤثر على علاقات الزواج وربما تكتب نهايتها، ولكن في توقيت متأخر بعد إتمام الزيجة، لتكون قد سببت الضرر بشكل مباشر لأحد طرفي العلاقة، أو للذرية الناتجة عنها، والأمر هنا لا يقف عند القدرة على الإنجاب، وإنما ينسحبُ إلى انتقال أمراضٍ مُعدية أو مُزمنة ذاتُ أثرٍ خطير.

من هذا المنطلق، دشنت الدولة مُبادرة «فحص المُقبلين على الزواج» للكشف المبكر عن الأمراض المُعدية والمُزمنة، لحماية شريك الحياة والأبناء، كخطوة لاستكمال مسوغات الزواج، والتي حظيت بتفاعل كبير تمثل في إجراء الفحص الطبي لنحو 18 ألف شاب وفتاة حتى الآن، وفق بيانٍ حديث لوزارة الصحة والسكان، حيث تصل بخدماتها إلى المستفيدين من خلال عددٍ كبير من وحدات طب الأسرة بمختلف القرى في المحافظات.

وإذا كان لكل مُبادرة أهدافها الأولية التي تقوم من أجلها، يظلُ لمرحلة التنفيذ دورٌ جوهري، في رصد الظواهر التي تُفرزها التجربة، والتحرك لاتخاذ ترتيبات لاحتوائها، ومن بين الظواهر المُرتبطة بتنفيذ مبادرة «فحص المُقبلين على الزواج»، استوقفني ـ شكل شخصي ـ تأكيد وزارة الصحة والسكان على أنه ليس من دورها إعلام طرفٍ بنتائج تحاليل الطرف الآخر، ليكون لكل طرف شهادة منفصلة بها نتائج التحاليل الطبية التي تخصه، ولا يتم تسليمها إلا لصاحبها، أو لمن ينوب عنه بموجب توكيل رسمي.

هذا التوجه من جانب الوزارة يمكن تفهم أسبابه التي ترتبط بالخصوصية، وهو التزامٌ أصيل يجب أن تحرص عليه كُل جهة، إلا أن التعامل مع التجارب التي تتصل بالبشر، يستلزم طرح سيناريوهات افتراضية تنفيذاً للضبط المطلوب، وتحقيقا لهدف المصلحة المرجوة من تلك الإختبارات الطبية، ومن ذلك توقع أن يُضمر أحد الطرفين إخفاء تفاصيل طبية مؤثرة؟

ليكون السؤال: هل الأولوية للسرية، أم للمصلحة؟

لايُمكن لإجابة هذا السؤال أن تكون الجزم بأن الأولوية لإحدى هذين الاختيارين، فالأمر يتطلبُ آلية تُحقق المزج المطلوب، الذي يضمن الحفاظ على سرية البيانات، ويمنع في الوقت ذاته المساس بحقوق أحد الطرفين، ولابأس أن تتكامل المُنظومة التي تقوم على تنفيذ هذه المبادرة، بكيان مُحايد، يكونُ عليه مُناقشة نتائج تلك التحاليل الطبية مع طرفي العلاقة، كلاهما معاً، على طاولة واحدة، في مناخٍ من المُكاشفة، والبحث عن طرق علاج، إذا كان الطرفين يريدان حقاً بناء علاقة زواج تدوم يسودها المودة والرحمة.