الرئيس والشعب.. والحكومة! (1 - 3)

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

ونحن نحتفل بالذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، ونتأهب لخوض انتخابات مجلس النواب الأول بعد ثورة 30 يونيو، لا بد من تأمُّل المشهد الحالى وما به من تناقضات، وذلك فى محاولة لاستشراف المستقبل القريب وما يحمله من إشكاليات محتملة. وأول ما نشهده فى الواقع السياسى المصرى الآن هو الأداء المتميز للرئيس السيسى على الجبهة الخارجية. فالزيارات المتتالية إلى دول كانت معادية للانتفاضة الشعبية فى 30 يونيو، فأصبحت أكثر اعتدالاً، ولو ظاهرياً على الأقل فى التعبير عن اهتمامها بالشأن المصرى وتحسّنت علاقاتها بمصر والرئاسة المنتخبة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى. كذلك كانت زيارات الرئيس إلى الكويت والسعودية والإمارات والأردن، كاشفة عن مدى التأييد غير المحدود والدعم المادى والسياسى لمصر والمحبة والتقدير للشعب المصرى. وكانت زيارة الرئيس إلى الصين ومن قبلها زيارته إلى روسيا علامات بارزة على استقلال السياسة الخارجية المصرية والنجاح فى إعادة الدفء إلى علاقات مصر بهاتين الدولتين المحوريتين فى العالم، اقتصادياً وسياسياً. والأمر المؤكد أن الرئيس السيسى يتمتّع بقدر وافر من تأييد الغالبية العظمى من المصريين منذ انحيازه إلى مطلبهم بالتخلص من حكم المرشد وعزل «مرسى». ويستمر المصريون فى التعبير عن تمسكهم بالحكم الجديد فوافقوا على الدستور الجديد بأغلبية ساحقة، وفرضوا إرادتهم بترشح «المشير» السيسى فى الانتخابات الرئاسية وانتخبوه بأغلبية غير مسبوقة، وصبروا على قرارات صعبة اتخذها الرئيس الجديد برفع أسعار التيار الكهربائى وتخفيض الدعم على الوقود، ومن ثم رفع أسعاره. ثم تجلى تحمسهم للحكم الجديد فى مساهمة كل فئات الشعب بشراء شهادات استثمار قناة السويس الجديدة بمبلغ ناهز الأربعة وستين ملياراً من الجنيهات فى أقل من عشرة أيام! إن الشعب ليست له مشكلة مع الرئيس، ولكن مشكلة الرئيس والشعب هى مع الحكومة التى اختارها الرئيس ووافق على تشكيلها بعد أيام قليلة من تنصيبه للرئاسة فى الثامن من يونيو 2014! فقد أطلق رئيس الوزراء على حكومته أنها «حكومة مقاتلين» ولم تثبت الحكومة بعد ما يقرب من سبعة أشهر أنها جديرة بذلك الوصف، فأغلب أعضائها - دون تسمية - لا يكاد المواطنون يشعرون بوجودهم ولا يعرفون أسماءهم، فضلاً عن إدراك إنجازاتهم! وتتركز قضية الرئيس والشعب مع الحكومة فى أن أداء الرئيس وآمال الشعب وتوقعاته تسبق بمراحل أداء الحكومة مع غياب شبه كامل لخطة عملها، حتى يتبين الناس ما تقوم به من أفعال وما قد تحققه من إنجازات، بالمقارنة بتلك الخطة. إنما اكتفت الحكومة بالاهتمام بالمشروعات التى أطلقها الرئيس: قناة السويس الجديدة، استصلاح أربعة ملايين فدان، إنشاء ثلاثة آلاف ومائتى كيلومتر من الطرق، إنشاء عاصمة إدارية جديدة على طريق السويس، وحتى تلك المشروعات لم تتوفر الحكومة بكل أجهزتها على دراستها تفصيلاً واختبار جدواها الفنية والاقتصادية وتدبر مصادر تمويلها، رغم وضوح مؤشرات على وجود مشكلات تنفيذية تعترض بعض تلك المشروعات أو تهدّد بعدم تحققها. وتتركز مشكلات الأداء الحكومى فى التعامل المتردّد مع قضايا مكافحة الإرهاب، ومكافحة الفساد، وبطء وتقليدية أفكارها لتطوير الجهاز الإدارى للدولة، وتقليدية أسلوبها فى تناول أهم ملفات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية! فعلى صعيد مكافحة الإرهاب، ترتكن الحكومة على المواجهة الأمنية التى تحمل عبئهما القوات المسلحة والشرطة، مع غياب تام للمواجهة السياسية والقانونية والفكرية والثقافية التى كان واجباً على الحكومة بجميع وزاراتها وهيئاتها قيادة المجتمع كله فى الحرب على الإرهاب وتوفير الغطاء السياسى اللازم للمواجهة الأمنية. وحتى فى مجال المواجهة القانونية لجماعات الإرهاب. فشلت الحكومة أو تراخت فى استصدار قانون الإرهاب، مع التراخى حتى فى تطبيق مواد الإرهاب فى قانون العقوبات (المادة 86، وما يليها من مواد)، ولم تحقق الحكومة، نيابة عن الدولة الالتزام الدستورى بمكافحة الإرهاب وفق برنامج زمنى محدّد، الذى جاء فى نص المادة «237»، بأن «تلتزم الدولة بمواجهة الإرهاب، بكل صوره وأشكاله، وتعقّب مصادر تمويله وفق برنامج زمنى محدّد. باعتباره تهديداً للوطن وللمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة، وينظم القانون أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب والتعويض العادل عن الأضرار الناجمة عنه وبسببه»! ومن أسف، أن الحكومة لم تستطع تفعيل قرار رئيس الوزراء الصادر فى 9 أبريل 2014، باعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية، ولم تستثمر ذلك القرار فى شل قدرات الجماعة الإرهابية التى نجحت فى تطوير عملياتها الإرهابية بزرع العبوات الناسفة والقنابل فى كل المرافق الحيوية من قطارات السكك الحديدية وأبراج ومحولات الكهرباء والكبارى والميادين. كذلك لا تبدو الحكومة معنية بخطر الجماعة الإرهابية التى قامت على مدى السنة التى قضتها فى حكم البلاد، بغرس عناصرها فى كل أجهزة الدولة، إذ لم تقم الحكومة بعملية تطهير شاملة والتخلّص من عناصر الجماعة الإرهابية وخلاياها النائمة فى كل مرافق وأجهزة الدولة. كما فشلت فى مطالبة دول العالم بإدراج الجماعة الإرهابية على قوائم الإرهاب فيها، ولم يحقق نجاحاً فى إقناع بريطانيا على سبيل المثال فى كشف جرائم الجماعة الإرهابية، رغم التحقيق فى أنشطتها بالمملكة المتحدة. من ناحية أخرى، لم تتخذ الحكومة أى إجراء لتنفيذ النص الدستورى فى المادة 74 من أنه «لا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفى أو جغرافى..»، كما لا تبدو الحكومة قلقة أو متحفّزة لمواجهة احتمالات تسلل الخلايا النائمة للجماعة الإرهابية إلى مجلس النواب المقبل. وللحديث بقية الأسبوع المقبل بإذن الله.