«صفارة» أحمد أمين وأحلام عايشها غيري

نجوم الفن كنجوم السماء، كلاهما تبدأ رحلته بـ«الميلاد»، ثم تتصاعد نحو «السطوع»، واستمرار السعى تجنّباً لـ«الأفول»، فإذا ركن النجم لمنطقة راحته، أصبح مصيره الحتمى هو «الفناء»!

«الصفارة» التى أطلقها أحمد أمين فى رمضان هذا العام تؤكد أنه نجم استثنائى يعيش مرحلة السطوع ويُغرّد فى مساحة خاصة به بلا منافس، فهو لا يعرف منطقة الراحة، التى يركن إليها الكثير من الكوميديانات، فيبحث أولاً عن الورق، ولا يلتفت إلى طريق الإفيهات المكرّرة، والارتجال غير المنضبط، بل يجعل جمهوره يضحك وهو يفكر، حيث تجد لكل عمل يقدمه قصة ومغزى، وهذه هى رسالة الفن، حتى إن كان كوميدى الطابع، فـ«أمين» يستهدف الإضحاك دون الإلهاء، والبون بينهما شاسع.

«صفارة» أحمد أمين بمثابة نداء إنسانى يدعو إلى عودة قيمة «الرضا» التى تُحقّق للنفس الهدوء والسكينة، وتجنّب الفرد اللهث وراء ما هو ليس مقسوماً له، باعتبارها حرباً خاسرة، تتكلف فيها العناء دون نصر، والحقيقة أن هذه الصيحة جاءت فى موعدها تماماً، حيث غدا «الرضا» بمثابة الفضيلة الغائبة وسط مجتمعات تتصارع فعلياً فى سباق محموم تجاه اللاشىء، حيث مساعى الصعود وجنى المكاسب، حتى إن كان على أكتاف الآخرين، ولحصد ثمار لم تتكبد عرق غرس بذورها والعناية بها.

فى مسلسل «الصفارة»، يقول أحمد أمين: «أحلامى كلها عايشها غيرى»، وهى عبارة صادمة، ولكنها تلخص الكثير من شعور من يقفون عند لحظة معينة فى حياتهم، تتجمّد عندها مشاعرهم وطموحاتهم، دون أن يدركوا إلا لاحقاً أن الحياة أكبر من أن نحتويها، وأن القادم فى كثير من الأحيان هو الأفضل، والعبارة السابقة بمثابة قيود تُكبّل حركة الإنسان وشغفه فى مواصلة السعى والمثابرة، للركون عند شعور النقمة على أشخاص يُعتقد بأنهم حصدوا ثمار ما زُرع، فنالوا ما كان يستحقه هو، وهو شعور ظالم للمرء، حتى إن كان بالفعل ضحية أشخاص انتهازيين سرقوا أحلامه.

أزعم أن أصعب ما يواجه المتمسكون بالتربية السليمة فى هذا العصر، هو غرس قيمة «الرضا» فى نفوس الأبناء، فمع انفتاح نوافذ السوشيال ميديا على مصراعيها، بات المرء فى منافسة مع شخوص افتراضية، حيث يرى من يروج لنفسه بالنجاح الوظيفى، أو العاطفى، أو المادى، دون أن يكون ذلك فى غالب الأحيان حقيقياً، فليست مشاعر الحب، أو مظاهر البهرجة، أو أشكال الود والتراحم، التى تعكسها الوسائط التكنولوجية سوى صور زائفة تسهم بشكل مباشر فى التأثير على عقيدة «الرضا» فى نفوس من يظنون أنفسهم طامحين، بينما هم فى الحقيقة غير راضين عن أنفسهم.

وعودة الشعور بالرضا ضرورة مهمة لتحقيق التوازن فى الحياة، فهذه اللحظة قادرة على جعلك تنظر إلى الوراء بارتياح، لترى الفرص التى فاتتك وكأنها لم تكن بالفعل مناسبة لك، أو بالأحرى ليست على مقاسك، فتجد وظيفة عمل كنت تعتقد أنك خسرتها، وحبيبة ظننت يوماً أنك فقدتها، وأموالاً اعتقدت أنها كانت كفيلة بتغيير حياتك، وهنا لن تجد وراءك ما يغريك، فتعود لتنظر أمامك، ليكون شغفك فى مواصلة رحلتك، لتصادف المزيد من الفرص، ولكن بروح مختلفة، تصنع الفرص ولا تكون صنيعتها.

فى يد أحمد أمين «صفارة» تعود به إلى الوراء ثلاث دقائق فقط يراها حاسمة فى تغيير دفة حياته نحو الوِجهة التى يطمح إليها، فهل فكرت يوماً فى ٣ دقائق تحتاج منك إلى صافرة سحرية لتعويض ما تظن أنه فاتك؟