لم ير فى حياته ضوء الشمس، لكنه امتلك بين جوانحه قلباً دافئاً كأشعتها الذهبية. مثل طائر يسبح فى فضاء بلا حدود. تجرد من كل القيود ورفض الاستسلام لعالمه المظلم. خرج من سجن إعاقته وقرر أن يعمل فى مهنة لا تناسبه ليثبت للآخرين أنه لا يقل عنهم.
«فوزى العمروسى» عامل معمار كفيف. توقف تعليمه عند المرحلة الإعدادية بسبب ظروف أسرته. والده الأجير لم يقو على نفقات تعليم أربعة أبناء: «سبت المدرسة واشتغلت فى المعمار وبقيت أشيل رمل وطوب، والبنايين والمقاولين بقوا يطلبونى بالاسم زى اللى بيشوفوا بالظبط. عمرى ما حسيت إنى أقل منهم ولا أفرق عنهم فى حاجة».
غصة فى القلب يتركها «فوزى» لدى كل من يسمعه: «وأنا صغير كنت فاكر الناس كلها زيى، ومرة كنت ماشى فى الشارع واحد قاللى خليك يمين شوية!. استغربت وسألت نفسى: هو إزاى شافنى وأنا ماشفتوش؟. عرفت إن مش كل الناس كده وأنا بس اللى كده. مازعلتش وقلت أكيد أنا مش أقل منهم لأنى بعمل كل اللى بيعملوه».
حفظ «فوزى» القرآن كاملاً بحاسة السمع. ولكى يصبر نفسه على حياته المظلمة كان يردد باستمرار: «ما دام الدماغ شغالة كويس وبفهم يبقى أنا كفيف.. لكن مش أعمى». والحقيقة من يتعامل مع «فوزى» لا يصدق أنه كفيف. خطواته لا تخطئ طريقاً، ويكفيه دخول المكان مرة واحدة ليتحرك فيه بحرية ودون مساعدة: «أول ما بادخل مكان شغل جديد لازم أعرف مكان السلم، وأحدد إذا كان يمين أو شمال، ومساحة الفراغ، وباستعين بالله وابدأ».
يصمت «فوزى» قليلاً ثم يضحك وهو يتذكر زملاءه أثناء انقطاع الكهرباء: «المفتحين أول ما الكهربا تقطع يقفوا وأنا بفضل شغال، يبقى أنا أحسن ولا همّ؟ اللى يحط فى دماغه إنى كفيف ومعاق يبقى هو اللى معاق. أنا أول ما اشتغلت فى المعمار كنت بطلع رمل للدور الثالث. المقاول قاللى: هتعرف تشتغل؟.. قلت له ورينى السلم واحكم. أخدت الشغل تحدى، واللى معايا ماكانوش مصدقين إنى بتحرك لوحدى بسرعة ومن غير مساعدة». وبقلب يملأه الإيمان وعين يغنيها الرضا يقول: «ربنا لازم يدى الإنسان الـ24 قيراط بتوعه عشان محدش يقول يا رب انت جبتنى كفيف للدنيا وسبتنى، وعشان ربنا عادل مش بيظلم عبيده».
الزوجة فى حياة «فوزى» قصة حب لا تُصدق. تعرف عليها فى مناسبة عائلية ووقع فى حبها فوراً: «حبيتها أول ما سمعت صوتها. وقتها كنت باشتغل بياع أنابيب. ومرة سمعت خطوتها وحبيت أتأكد إنها هى. سألتها الساعة كام؟. لما ردت اتأكدت إن هى. قلت مش همشى من عندهم غير وأنا خاطبها، ومن يومها واحنا عايشين ع الحلوة والمرة مع بعض».[SecondImage]
لا يملك العامل الخمسينى من حطام الدنيا سوى عافيته وابنين هما «محمد» فى خامسة ابتدائى، و«رضا» فى ثالثة ابتدائى. هما سر سعادته وابتسامته التى يخفى وراءها قلقاً على مستقبلهما إذا عجز عن العمل: «الشغل يوم فيه ويوم مفيش. وفى الشتا بيكون كل فين وفين. والولاد فى المدرسة ولازم أعلمهم ولو هبيع هدومى». ولكى يؤمن مستقبل ابنته حلم «فوزى» بالتعيين فى الحكومة. تقدم لوزارة الأوقاف طالباً وظيفة مؤذن ضمن الـ«5% معاقين»، فقال له الموظف: «معاك واسطة». قال: «معايا ربنا». قال له: «يا تجيب واسطة يا تدفع 1500 جنيه». رد عليه: «يا بيه أنا لو معايا 1500 جنيه ماكنتش جيت هنا».
ضاع حلمه فى الوظيفة، لكن الأمل فى الستر لم ينقطع: «الشغل صعب لكن مرارته أهون من مد الإيد. وطول ما ربنا مدينى الصحة والستر فأنا غنى.. رغم إن ماعنديش أرض ولا طين. ورغم إن الدولة ماوقفتش جنبى ولا اديتنى وظيفة أربى منها عيالى.. بحب البلد، وفرحت لما قالوا فيه ثورة، والغلابة هياخدوا حقهم».