ثورة تشريعية واجبة.. اقتناء الحيوانات الخطرة
تُظهر الحوادث التى يعرفها المجتمع المصرى، وبشكل متكرر، مدى الحاجة إلى تحديث وتطوير المنظومة التشريعية المصرية. وآخر الشواهد التى تنهض دليلاً على ذلك تتعلق بما حدث مؤخراً فى الواقعة المعروفة إعلامياً وشعبياً تحت اسم «كلب المذيعة».
ففى يوم الأحد الموافق التاسع من شهر أبريل الحالى، توفى الشاب المصرى محمد محب، الذى يعمل مديراً بأحد البنوك، بعد تعرضه للعض من كلب تملكه مذيعة شهيرة، داخل مجمع سكنى فى منطقة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، فى واقعة تحولت إلى قضية رأى عام وأثارت حالة كبيرة من الجدل.
وكان محمد محب، قد دخل المستشفى قبل أكثر من شهر لتلقى العلاج، إلا أنه دخل فى غيبوبة وتدهورت حالته الصحية، قبل أن يفارق الحياة.
وتعود بداية هذه الواقعة إلى تاريخ السابع والعشرين من شهر فبراير الماضى، حيث تلقت النيابة العامة بلاغاً من زوجة المجنى عليه، بإصابته ونقله للمستشفى ودخوله فى حالة غيبوبة، بعدما عضه الكلب الخاص بالمتهم (زوج المذيعة) والمقيم فى العقار ذاته محل إقامتهما.
وباشرت النيابة العامة التحقيقات واستمعت لأقوال ذوى المجنى عليه، وبعض الشهود، الذين أكدوا أن المجنى عليه حال عودته برفقة ابنه للعقار، أبصرا الكلب الخاص بالمتهم طليقاً غير مكمم بشرفة مسكنه، فانتابتهما حالة من الفزع، وتوجها لمسكن المتهم ليطلبا منه إحكام وثاقه حتى لا يصاب أحد بأذى منه.
وبمجرد أن طرق «محب» وابنه باب مسكن المتهم، وفتحت لهم الباب خادمة تعمل لدى المتهم، وفوجئ حينها المجنى عليه بهجوم الكلب وتمكن من عضه دون إفلاته، فاستغاث ابنه بقاطنى المسكن لنجدة والده، فخرج ابن المتهم وتمكن من السيطرة على الكلب وإفلات المجنى عليه منه، بعد تعرضه لإصابات بالغة.
وبعد ضبط الكلب المتسبب فى الحادث، نفاذاً لقرار النيابة العامة، تم عرضه على مديرية الطب البيطرى بالجيزة لفحصه، والتى أكدت خلوه من أى أعراض غير طبيعية، وتلقيه كافة التطعيمات اللازمة، والترخيص بحيازته من الجهة المختصة.
ومن ثم، أمرت النيابة العامة بإيداعه أحد المستشفيات البيطرية، لحين استكمال التحقيقات.
ومع ذلك، ووفقاً لبعض الروايات عن الواقعة، فإن الكلب من نوعية «بيتبول» المحظور استيرادها دولياً.وبمجرد وفاة المجنى عليه، ضجت وسائل التواصل الاجتماعى بالاستنكار والهجوم على المتسبب فى الواقعة.
وتساءل البعض على وسائل التواصل الاجتماعى عن الجزاء المترتب على وفاة شخص نتيجة عقره بواسطة كلب مملوك لآخر.
وفى الإجابة عن هذا التساؤل، وفى بوست منشور على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعى فيس بوك يوم الأحد الموافق التاسع من أبريل الحالى، أكد الأستاذ الدكتور محمود كبيش، أستاذ القانون الجنائى والعميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، أن «هذه الواقعة يحكمها نص المادة 238 من قانون العقوبات التى تنص على أنه من تسبب خطأ فى موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز مائتى جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين..
فإذا ثبت توافر أركان وعناصر هذه الجريمة فى حق مالك الكلب بأن ثبت أن الوفاة كانت نتيجة لعقر الكلب وأن هجوم الكلب على المجنى عليه كان بسبب إهمال صاحبه أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته القوانين أو اللوائح أو الأنظمة..
باختصار.. إذا توافرت عناصر الخطأ غير العمدى فى حق مالك الكلب فإنه يكون مرتكباً لهذه الجريمة..
وإذا ثبتت الجريمة فإنه يحكم عليه أيضاً بتعويض الأضرار التى لحقت بأسرة المجنى عليه نتيجة وفاة هذا الأخير فضلاً عن الجزاء الجنائى..
فإذا لم تثبت أركان وعناصر الجريمة فى حق مالك الكلب.. فإنه مع ذلك يكون مسئولاً مدنياً عن تعويض كل الأضرار التى لحقت بأسرة المجنى عليه لمجرد ملكيته للكلب تأسيساً على قواعد القانون المدنى التى تقيم مسئولية حارس الحيوان عن الأضرار التى يسببها هذا الأخير للغير حتى ولو لم يثبت خطأ فى حق صاحب الكلب».وإذ نتفق مع هذا الرأى، نرى أن هذه الواقعة تكشف بجلاء عن قصور المنظومة التشريعية المصرية فيما يتعلق بظاهرة حيازة واقتناء الحيوانات الخطرة.
إذ حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وعلى الرغم من حدوث العديد من الوقائع المماثلة، لا يوجد تنظيم قانونى خاص لهذا السلوك الذى يشكل خطراً كبيراً على حياة البشر، ويحول دون الشعور بالسكينة والسكن والأمن والأمان فى البيوت وفى الطرقات العامة.
بل إن الأمر قد وصل فى بعض الأحيان إلى حد تربية الأسود والحيوانات المفترسة داخل المناطق السكنية. فعلى سبيل المثال، وفى يوم الأحد الموافق السابع والعشرين من شهر ديسمبر 2020م، حدثت الواقعة المعروفة إعلامياً وشعبياً باسم «واقعة أسد الجونة»، حيث فوجئ سكان منتجع الجونة بأسد يسير وسط المبانى والشوارع، وأطلقت صاحبته نداء على مواقع التواصل الاجتماعى تطالب فيه قاطنى المنتجع بالاطمئنان، موضحة أن الأسد صغير السن وغير مفترس، قبل أن يتمكن أمن المنتجع من الإمساك به وإرجاعه لصاحبته.
وفى ظل غياب تنظيم قانون صريح فى هذا الشأن، يجتهد البعض معتقداً أن الأصل فى حظر اقتناء الحيوانات المفترسة هو تهديدها حياة المواطن أو استخدامها فى الترهيب، مؤكدين أنه فى حال حصول الراغب فى اقتنائها على كافة الشروط التى يحددها القانون يمنع عن نفسه المساءلة.
وقد يشير البعض إلى قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994م وتعديلاته بالقانون رقم 9 لسنة 2009م والقانون رقم 105 لسنة 2015م، ولائحته التنفيذية بكل تعديلاتها، والذى يحظر صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية التى تحدد أنواعها اللائحة التنفيذية للقانون.
كما يحظر القانون ذاته حيازة هذه الطيور والحيوانات أو نقلها أو التجول بها أو بيعها أو عرضها للبيع حية أو ميتة، وتشمل الحيوانات المفترسة أنواع الأسود والنمور والفهود والتماسيح والثعابين وعدداً من الطيور الجارحة ممنوعة التربية فى المنازل سواء كانت أشبالاً أو كباراً فى العمر.
وقد يستدعى البعض النص الخاص بجريمة البلطجة، والتى ورد النص عليها فى المادة 375 مكرراً من قانون العقوبات، مضافة بموجب القانون رقم 10 لسنة 2011 بشأن جريمة البلطجة، بنصها على أنه «مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد واردة فى نص آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من قام بنفسه أو بواسطة الغير باستعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد بأيهما أو استخدامه ضد المجنى عليه أو مع زوجه أو أحد أصوله أو فروعه، وذلك بقصد ترويعه أو التخويف بإلحاق أى أذى مادى أو معنوى به أو الإضرار بممتلكاته أو سلب مال أو الحصول على منفعة منه أو التأثير فى إرادته لفرض السطوة عليه أو إرغامه على القيام بعمل أو حمله على الامتناع عنه أو لتعطيل تنفيذ القوانين أو التشريعات أو مقاومة السلطات أو منع تنفيذ الأحكام، أو الأوامر أو الإجراءات القضائية واجبة التنفيذ أو تكدير الأمن أو السكينة العامة، متى كان من شأن ذلك الفعل أو التهديد إلقاء الرعب فى نفس المجنى عليه أو تكدير أمنه أو سكينته أو طمأنينته أو تعريض حياته أو سلامته للخطر أو إلحاق الضرر بشىء من ممتلكاته أو مصالحه أو المساس بحريته الشخصية أو شرفه أو اعتباره.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات إذا وقع الفعل من شخصين فأكثر، أو باصطحاب حيوان يثير الذعر، أو بحمل أى أسلحة أو عصى أو آلات أو أدوات أو مواد حارقة أو كاوية أو غازية أو مخدرات أو منومة أو أية مواد أخرى ضارة، أو إذا وقع الفعل على أنثى، أو على من لم يبلغ ثمانى عشرة سنة ميلادية كاملة، ويقضى فى جميع الأحوال بوضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة المحكوم بها».
ونرى أن الأمر هنا لا يتعلق فحسب بحماية البيئة، وإنما ينصرف إلى المحافظة على أرواح بنى البشر، ومنع كل ما من شأنه تهديد حياتهم أو تعريضها للخطر. كذلك، فإن النموذج القانونى لجريمة البلطجة قد يتعذر توافره فى العديد من الحالات المماثلة. ولذلك، بادرت العديد من الدول العربية إلى إصدار قانون خاص فى هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، وفى دولة الإمارات العربية المتحدة، صدر القانون الاتحادى رقم (22) لسنة 2016 بشأن تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة. وفى دولة قطر، صدر القانون رقم (10) لسنة 2019 بشأن تنظيم اقتناء الحيوانات والكائنات الخطرة.
وفى مصر، وعلى أثر الحوادث والوقائع المماثلة التى حدثت سابقاً، قام النائب أحمد السجينى وستون نائباً آخرون بإعداد مشروع قانون بشأن تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة واقتناء الكلاب.
ولكن يبدو أن مشروع القانون قد بقى حبيس الأدراج إلى أن وقعت الحادثة الأخيرة، حيث طالعتنا وسائل الإعلام الصادرة يوم الثلاثاء الموافق الثامن والعشرين من مارس الماضى بأن لجنة الزراعة فى مجلس النواب قامت بمناقشة مشروع القانون.
والمأمول هو أن يتم الانتهاء من مناقشة مشروع القانون وإصداره على وجه السرعة، لاسيما أن مصر من الدول الموقعة على اتفاقية «سايتس» التى تُحرم البيع والاتجار فى الحيوانات البرية.
والمأمول بعد صدور القانون أن يتم تطبيقه بشكل حازم على الجميع، وبدون استثناء. ولا نغالى فى هذا الصدد إذا قلنا إن الحل لمعظم مشاكلنا يكمن فى القانون وإنفاذه على الكافة، بما يكفل تحقيق مبدأ سيادة القانون.. والله من وراء القصد.