هشام سرحان يكتب: حين طلبت المدد

كاتب صحفي

كنت متورطا في أمر ما لا أعلم عنه شيئا، حاولت إثبات براءتي ولم أستطع، فكرت في الهرب من المكان، لكن كيف السبيل وأنا أقف على جبل شاهق دون منحدرات؟ لا أدري كيف صعدت إليه، أسفله بحر عميق، وهناك من هو قادم لإيذائي.

أصابتني الحيرة، خفت كثيرا حتى كاد يخرج قلبي من مكانه، نظرت للسماء وبكيت مرددا المدد يا رب، أنت منقذي ولو لم أكن أهلا لذلك، وفجأة ظهر أمامي شاب ساعدني وأبعدني عن الجبل.

لم تنته القصة عند هذا الحد، فمن مكان لآخر كانت تواجهني مصاعب أكثر، وكلما ضاق بي الأمر انظر إلى السماء وأطلب المدد، يارب أنت منقذي وأنا عبدك الضعيف، وقبل انتهاء استغاثتي أجد حبالا تتدلى من السماء لا تكاد تحمل ريشة طير، لكني أمسكها وأطير بها كما العصفور، تحملني إلى حيث الأمان.

أي معجزة تلك التي رأيتها في منامي، ألم ينتهي زمن المعجزات مع آخر الأنبياء المرسلين، أم أن الأمر مجرد حلم عابر وانتهى.

خلال سنوات قليلة مضت عشت مصاعب مختلفة، كما هي طبيعة الحياة، كدت أشعر مع بعضها بالنهاية، لا مخرج منها دون معجزة من السماء، وكيف تحدث وأنا لست نبيا ولا من أولياء الله الصالحين، ولكن تجارب الحياة ومواقفها القاسية أثبتت عكس ذلك، والحقيقة أن الحسابات المنطقية غالبا ما كانت تفشل معي، ويقف تفكيري عاجزا عن تجاوز الأزمات، حتى يتسلل الحزن إلى قلبي، ولكن نظرة واحدة بثقة إلى السماء كفيلة بتغيير المشهد كاملا.

نعم، المعجزات لم تنتهِ، لكنها تحتاج إلى ثقة مطلقة في الخالق لتحدث، مع السعي والأخذ بالأسباب، ليصبح الأمر قاعدة أو معادلة ثابتة معلومة الأطراف، ولكن النفس البشرية بطبيعتها ضعيفة والصراعات التي تعيشها دائما ما تسمح لليأس أن يتسلل إليها بسهولة، لتشعر حينها أن كل الأبواب أغلقت في وجهك، والكون على اتساعه لا مكان لك فيه.

في رمضان 2003 كنت مقيما في أسوان لفترة طويلة، ولأمر طارئ قررت إنهاء الرحلة أول يوم في الشهر الفضيل، حجزت تذكرة القطار واشتريت زجاجة مياه بما تبقى معي من نقود حينها، وصعدت القطار صائما لتبدأ رحلة تستغرق 14 ساعة تقريبا، ولا أملك جنيها واحدا ولا طعاما للإفطار والسحور في القطار.

بدأت الرحلة وأنا لا يشغل بالي سوى أمر وحيد، ماذا سأفعل في الإفطار والسحور؟ هل يعقل أن أصوم 48 ساعة متواصلة؟ حيث سيصل القطار إلى محطتي بعد فجر اليوم التالي، كنت أحمل غضبا كبيرا حينها، أي تصرف أحمق وضعني في هذا المأزق، بالطبع لن أطلب من أحد مشاركته في طعامه، ساعات ثقال مرت ببطء، أسئلة تدور في رأسي لماذا أتعرض لمثل هذا الموقف، أين رحمة الله، هل ما يحدث بسبب ذنب ما أم ابتلاء، غضبت كثيرا من الله حينها دون أن أنطق بكلمة، حتى وإن كنت مذنبا ألم تسبق رحمتك غضبك.

اقترب موعد السحور وأنا على الحال نفسه، حينها قررت التحدث إلى الله، نطقت بما أخفيته في صدري، وهو أعلم به، طلبت منه تنفيذ وعوده حين قال في كتابه العزيز (ادعوني استجب لكم)، وأيضا في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي)، وأنا أظن بك خيرا يا الله ولكنها نفسي الضعيفة.

غفوت قليلا وقبل وقت قصير من أذان الفجر، تفاجأت بشاب يوقظني ويدعوني للحديث مع جدته التي تجلس خلفي بمقعدين، تعجبت من طلبه وتوجهت إليها، وجدتها سيدة يقترب عمرها من السبعين، ابتسمت بمجرد رؤيتي وأشارت لي بالجلوس في المقعد المجاور لها، دار بيننا حوار قصير جدا لم أنسه أبدا رغم مرور سنوات طويلة.

«خد يا ولدي اتسحر.. أنت مكلتش حاجة»، كلمات قليلة كانت كفيلة بأن تبدل حالي في ثوان معدودة، وأن تفتح في رأسي بابا لأسئلة لا تنتهي، هل استجاب الله لي بهذه السرعة، كيف علمت السيدة بما حدث، هل أخبرها الله، حينها لم أتمالك دموعي التي سقطت لتختصر كلمات لم أستطع النطق بها، شعرت بأن الله يطيب خاطري، ويتحدث إليّ من خلال تلك السيدة، ومنذ ذلك الوقت كلما مررت بأزمة أتذكر قصة القطار وأرفع رأسي للسماء طلبا للمدد.

اغمض عينيك دقائق قليلة، تذكر كم أزمة واجهتها وحدثتك نفسك بأنها النهاية ثم نجوت، ستجد نفسك أمام معجزات ضخمة أعادتك إلى الكون الفسيح مرة أخرى.

الحياة ليست سهلة بطبيعتها، وقسوة أو غموض القدر أحيانا، والذي غالبا لا نفهم الحكمة منه إلا بعد مرور فترة قد تصل لسنوات يدفعنا للخوف واليأس، كما يجعلنا نفقد الثقة في أنفسنا حتى نصل إلى حافة الهاوية التي نجد عليها أسئلة لا إجابات لها، لماذا أنا، كيف النجاة، أين رحمة الله ولطفه.

كل ما عليك فعله هو الاستسلام لله وحده، ثق به واطلب منه المدد في أصغر الأزمات قبل أكبرها واتبع الأسباب ستجد الطريق واضحا رغم ضبابية المشهد، خطوات سهلة التنفيذ في ظاهرها، صعبة في باطنها بسبب الطبيعة البشرية العاجزة عن تفسير كل ما يصيبها، ولكنها الحل الأكيد للخروج إلى النور.. مدد يا رب.