السياسة الخارجية.. لماذا؟
فى يوم الأربعاء الموافق السادس والعشرين من شهر أبريل 2023م، وخلال المؤتمر الصحفى المشترك للرئيس الأمريكى «جو بايدن» ونظيره الكورى الجنوبى «يون سوك إيل»، بمناسبة الزيارة الرسمية، التى قام بها الرئيس الكورى الجنوبى إلى العاصمة الأمريكية، تعرض الرئيس الأمريكى لموقف محرج، حيث استخدم ورقة مكتوباً فيها الأسئلة التى سيتم توجيهها إليه.
فوفقاً لصحيفة نيويورك بوست الأمريكية، عرض بايدن صورة للصحفية «كورتنى سوبرامانيان»، التى تعمل فى صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وكان اسمها مكتوباً بالأحرف الصوتية لمساعدة الرئيس على نطقها بشكل صحيح. وكان نص السؤال المكتوب فى الورقة «كيف تربط أولوياتك فى السياسة الداخلية، مثل إعادة توجيه إنتاج الشرائح الإلكترونية، بالسياسة الخارجية التى تعتمد على التحالفات؟».
وبعيداً عن التركيز الإعلامى على هذه الواقعة باعتبارها دليلاً جديداً على ضعف ذاكرة الرئيس الأمريكى بحكم سنه المتقدمة، نعتقد أن ما يعنينا فى هذه الواقعة وينبغى التركيز عليه هو طبيعة السؤال ذاته الذى كشفت عنه الصحيفة الأمريكية. إذ يتعلق هذا السؤال بطبيعة العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، والمحددات والموجهات الحاكمة للسياسة الخارجية.
ويثير هذا السؤال التساؤل عما إذا كانت السياسة الخارجية تعتمد أساساً وتنطلق من خدمة مصالح داخلية أم أن السياسة الداخلية ترتهن بخدمة أهداف السياسة الخارجية. وفى جميع الأحوال، فإن هذا السؤال يعكس وعى الصحافة الأمريكية بجوانب العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية. وفى المقابل، قد ينظر البعض فى بلادنا إلى السياسة الخارجية بمعزل عن السياسة الداخلية للدولة.وتتعاظم أهمية التساؤلات سالفة الذكر فى الوقت الراهن، حيث تعالت الأصوات على مستوى العالم كله بضرورة التركيز على المصالح الداخلية لكل دولة، فيقال مثلاً: أمريكا أولاً، ومصر أولاً، وفرنسا أولاً، وهكذا.
ومن ثم، فإن البعض قد يرى من الملائم بل ومن الضرورى الإهمال التام للعلاقات الخارجية، والتركيز بشكل مطلق على السياسة الداخلية. ويبدو أن ذلك هو نهج الأحزاب اليمينية المتطرفة، التى تشهد صعوداً كبيراً ويتعاظم نفوذها بانتظام واطراد فى القارة الأوروبية فى العقود الثلاثة الأخيرة.
والواقع أن بعض الكتاب يرون أنه «ليس هناك بلد فى العالم لديه سياسة خارجية، وإنما كل بلد فى العالم له سياسة داخلية، وهذه السياسة الداخلية لها مصالح ومطالب تمتد خارج الحدود، وهنا مجال السياسة الخارجية لأى بلد يريد أن يمارس دوراً على ساحة المسرح الأوسع فى العالم». وبعبارة أخرى، فإنه «لا يوجد بلد له سياسة خارجية، وإنما كل بلد له سياسة داخلية لها امتدادات خارجية». وينسب البعض هذا القول إلى وزير الخارجية الأمريكى الأسبق «هنرى كيسنجر». ففى مقال نشر عام 1968م، قال فيه إنه «لا يوجد شىء اسمه سياسة خارجية أمريكية». ولكن، يرى البعض أن «كيسنجر» قد أخذ هذه المقولة عن السياسى النمساوى الأشهر فى أوائل القرن الثامن عشر، مترنيخ، الذى يعد مهندس الحلف المقدس بعد سقوط نابليون، وهو الذى قال مقولة إن السياسة الخارجية لا يمكن أن تكون إلا استمراراً لمصالح أو مطالب فى الداخل. فإذا تعدت هذه الحدود، أصبحت تزيداً لا حدود له.
بل إنها قد تكون خطراً فى بعض الأحيان.ونعتقد أن اعتبارات الأمن القومى هى الحاكمة لكل من السياسة الداخلية والخارجية لكل دولة من دول العالم. واعتبارات الأمن القومى بمفهومه الواسع هى التى تحدد اهتمامات كل دولة بالعالم الخارجى. وغنى عن البيان أن الأمن القومى لأى دولة محكوم باعتبارات التاريخ والجغرافيا. وللتدليل على ذلك، وفيما يتعلق بالحالة المصرية، نرى أن اعتبارات الأمن القومى للدولة المصرية هى التى تقتضى إيلاء الاهتمام الواجب لدول حوض النيل، نظراً لأنه كما يقولون مصر هبة النيل. كذلك، فإن الدوائر الثلاث للأمن القومى المصرى هى التى تقتضى إيلاء أهمية بالغة للمحيط العربى، ولا سيما دول الجوار العربى، ليبيا والسودان وفلسطين والسعودية. ولعل ذلك هو الذى يفسر لنا السبب وراء قيام معظم رؤساء مصر بأول زيارة رسمية لهم إلى المملكة العربية السعودية.
كذلك، كانت المملكة العربية السعودية أكثر دولة زارها الرئيس عبدالفتاح السيسى أثناء فترته الرئاسية الأولى، بمعدل تسع مرات. تليها كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، بمعدل خمس زيارات رسمية. تليها كل من الصين والمملكة الأردنية والسودان، بمعدل أربع زيارات رسمية. وبلغ عدد الزيارات الرسمية لدول عربية سبع وعشرين رحلة، بينما بلغ عدد الرحلات الخارجية لدول أفريقية غير عربية خمس عشرة رحلة.
وفيما يتعلق بالحرب الأوكرانية الدائرة حالياً بين كل من روسيا وأوكرانيا، فإن اعتماد المجتمع المصرى على القمح المستورد من كل من روسيا وأوكرانيا لا بد أن يكون حاضراً عند رسم سياسة مصر تجاه الأزمة.ولكل ما سبق، فإن الأصوات التى ترتفع من وقت لآخر عن العلاقات المصرية العربية، والتى تزعم أن الدائرة العربية غير مهمة بالنسبة لنا، وتصل إلى حد إنكار الهوية العربية لمصر، هى أصوات غير عاقلة، تنطلق من إغفال كامل -عن غير وعى فى اعتقادى- باعتبارات الأمن القومى المصرى.
ولهذه الأصوات، أقول دائماً إن المحيط العربى على درجة كبيرة من الأهمية للدولة المصرية، وإن هذه الأهمية غير مرتبطة بوحدة اللغة ووحدة الدين. والدليل على ذلك أن اعتبارات الأمن القومى المصرى هى التى دفعت الملك أحمس إلى مطاردة الهكسوس حتى حدود العراق، وعدم الاكتفاء بطردهم إلى خارج حدود مصر. وغنى عن البيان أن مصر فى هذا التاريخ لم تكن دولة عربية. ولذلك، فإن الأصوات التى تنكر أهمية العلاقات العربية لمصر هى أصوات تهدد الأمن القومى المصرى، وتؤثر سلباً على المصالح الوطنية.