مقاربة سياسية حان وقتها
ما زالت توابع عقد الانتفاضات تضرب الدولة الوطنية العربية بقوة، إذ لا يبدو أن الأسباب التي قادت بعض شعوب المنطقة إلى الانتفاض قد انتهت، بل على العكس، فإنها ربما تتوالد وتتجدد باستمرار في مواقع عديدة.
لن يكون هذا المقال محاولة لتقص تفصيلي للأسباب التي عززت قابلية بعض الدول العربية للسقوط أو للوقوع في دوامة الاضطرابات؛ لكن، على الأقل، علينا آلا ننسى أن عدم رضا قطاعات واسعة من الجمهور عن الأداء العمومي كان أحد أهم الأسباب الداخلية، بينما يظل العامل الخارجي بدوره حاسماً وشديد التأثير في تحديد مستقبل الدولة الوطنية العربية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا العامل يستخدم أدوات للتدخل تعتمد في الأساس على هشاشة الأوضاع الداخلية، وعدم قدرة الحكومات الوطنية على مقابلة توقعات الجمهور.
وفي المقابل، علينا أن نتذكر دائماً أن عدداً من الدول العربية استطاعت أن تنجو من موجة التغيير، التي اندلعت تحت ذرائع أغلبها وجيه؛ مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والحكم الرشيد، وقد حدث هذا إثر إجراء تلك البلدان موازنة دقيقة بين ضغوط الخارج وبين بعض السياسات الداخلية ذات الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي أظهرت نجاعة في بعض دول الخليج والمغرب والأردن وغيرها.
استناداً إلى ذلك، فإن الدعوة إلى تطوير مقاربة وطنية جديدة للتصدي للتهديدات المتجددة؛ يجب أن تحظى بالاهتمام، على أن يتم النظر إليها بوصفها مقاربة تستلزم جهوداً سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بمثل ما ستحتاج تدابير أمنية.
ففي بعض دول المنطقة والعالم ظهرت تجارب جديرة بالاهتمام، استطاعت فيها تلك الدول، التي تحكم التطورات فيها سياقات شديدة التباين، أن تتوازن مع المخاطر والتهديدات التقليدية والجديدة، وأن تطور مقدرات أمنها القومي بشكل أكثر ملاءمة للمستجدات.
وفيما يخص مصر، فما زلنا في حاجة إلى صياغة جديدة للطريقة التي نواجه بها التهديدات المتجددة على الصعيد الداخلي؛ وهي صياغة يمكن أن تأخذ عنوان "تطوير السياسات وتركيز الإصلاح".
وفي التفاصيل، فنحن نحتاج إلى منح الداخل درجة أكبر من الانفتاح المستند إلى درجة من التعدد والتنوع، وزيادة مساحة التنافس السياسي الداخلي والتغيير المحسوب في الكوادر وأنماط الإدارة، مع درجة من القبول بمناقشة أكثر انفتاحاً لمجريات الأداء العام، وإخضاعه للتقييم المستمر.
سنكون مطالبين أيضاً بالعمل على زيادة المناعة الوطنية ضد أنماط الاستهداف الخارجية القائمة والمتوقعة، عبر سياسات تسامح وانفتاح ذات طابع حقوقي وسياسي، يمكن من خلالها استيعاب التناقضات الثانوية في مسار العمل الوطني، وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة مخاطر مُحتملة.
وفي هذا الإطار مثلاً، سيكون من الضروري أن نعيد النظر في ممارستنا لحقنا في إدارة المجال الاتصالي الوطني بشكل يخدم المصلحة الوطنية ولا يعزز قابليتنا للاختراق.
فقد كانت الدولة لعقود طويلة قادرة على بسط هيمنتها على المشهد الاتصالي، وعبر سياسات تأميم المجال الإعلامي، وضبط الرسائل، لم يكن هناك قدر كاف من الانفلات الذي يمثل تهديداً خطيراً.
لكن في عام 2011، تغيرت قواعد اللعبة تماماً، إذ سقطت القدرة على التحكم في المجال الاتصالي للدولة، ولم تعد هناك سيادة وطنية كاملة عليه، كما برز تهديد جديد لقوتنا الصلبة التي صُمم إطار كفاءتها لمواجهة تهديدات تقليدية تمثلها دول معلومة الهوية، وظهرت تهديدات الحرب اللامتماثلة، التي تضافرت فيها قدرات تنظيمات أقل من الدولة، وجماعات إرهابية، ودول وأجهزة استخبارات، مكنتها التطورات الاتصالية من النفاذ إلى عمق الدولة والإضرار بأمنها.
ولأن الدولة بعد 30 يونيو، اختارت طريقاً للإصلاح وإعادة البناء من بين أدواته توجيه الإنفاق نحو مشروعات بعينها، بموازاة مراجعة أوجه الدعم، في ظل أزمة اقتصادية عميقة؛ فقد وجدت القوى المعادية ثغرة واسعة للنفاذ إلى وعي الجمهور، والمتاجرة بمعاناته، والمبالغة، والاصطناع، وصولاً إلى التثوير والتحريض.
لم تعد مقدرات الأمن القومي محمية من محاولات زعزعة الاعتبار، ولم يعد التحريض والشحن صعباً، ولم تسعف الوسائط السياسية نوايا الاحتواء المطلوب.
وفي الوقت الذي تنهض فيه مقدرات أمننا القومي الراهنة بردع التهديدات الخارجية عبر جاهزيتها الاستراتيجية ومقوماتها الصلبة ودرجة توازنها مع مصادر التهديد المحتملة، فإن التهديدات التي تستهدف الداخل ما زالت تطرح تحديات.
وفي تلك التهديدات سنعرف أن الخط الفاصل بين التكتيكي والاستراتيجي لم يعد له وجود؛ بالنظر إلى أنها تستهدف الوعي الجمعي والتماسك الأهلي والثقة العامة ومعدلات الرضا عن الأداء العمومي، بأدوات تتميز بالإتاحة وبساطة الاستخدام، وأنها تستخدم خليطاً مدروساً من الأفكار والتكنولوجيا التي لا تعوقها قيود عن تحقيق أهدافها.
وبسبب طبيعة التهديدات التي تستهدف الداخل يجب أن تنشأ مقاربة وطنية خاصة للتصدي لها؛ وهي مقاربة سيزول الحد الفاصل بين الاستراتيجي والتكتيكي فيها بطبيعة الحال، وسيتطلب تطويرها حساً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً بمثل ما سيحتاج مقاربات أمنية.
وللتجاوب مع هذه المستجدات، سيكون لزاماً علينا أن نُفعّل استراتيجية الانفتاح التدريجي، والتنوع والتعدد، وأن نعزز الحالة الحقوقية، وأن ندير التنافس الداخلي الشفاف على المواقع والمناصب والأدوار، وأن نتقبل الأفكار المضادة لقناعاتنا، طالما كانت تحترم الدستور وتتوخى المصلحة العامة.