حكايات من سوق الخادمات: أشغال منزلية شاقة ومعاملة فى منتهى القسوة
مع طلوع الصباح، تستقيظ «مهجة» مسرعة، تهم بجمع أشيائها فى الحقيبة، وتوقظ أسرتها لتناول الإفطار، ثم تودعهم، مهرولة للحاق بموعد أوتوبيسها الذى ينطلق من البحيرة متجهاً إلى القاهرة. «مهجة» شاردة دائماً، لا تنظر فى عين أحد، صوتها لا يصل إليك، ولو كنت على بعد خطوة منها، ترفض الكلام مع أى غريب، ولا تريد من أحد أن يسألها عن نفسها أو عن أحوالها، هى بخير طالما أن الناس يدعونها فى حالها.[SecondImage]
لم يكن من السهل انتزاع الكلمات منها، لكنها بعد صمت طويل قالت: «الخدمة فى البيوت مصير كل بنات قريتنا، اللى بتخلص دراستها أو أهلها بيطلعوها من المدرسة بتروح تشتغل فى القاهرة أو إسكندرية فى بيوت الأغنياء، المهم إنها متكلفش أهلها فوق طاقتهم». فى هذه القرى لا مجال لترك الفتيات لأحلامهن؛ التى تنكسر مبكراً مع أول ضائقة يمر بها الأب، فـ«مهجة» أجبرتها الظروف على ترك الدراسة وهى صغيرة، واصطحبها والدها عنوة إلى سمسار القرية، الذى يقدر ثمنها بدوره، ويحدد أى منزل يمكنها أن تعمل فيه كـ«خادمة»: «كان عمرى 14 سنة، وكنت لسه مخلصة الإعدادية، أبويا قال لى كفاية اللى اتعلمتيه، والبنت مش محتاجة غير إنها تعرف تقرا وتكتب، ولازم أساعد فى تربية إخواتى، والأولى بالتعليم الأولاد لأنهم اللى بيفتحوا البيوت».
فى يديها تمسك بهاتف صغير، كانت تقلّبه بين أصابعها: «وافقت غصب عنى، كان لازم حد يضحى علشان الباقيين ياكلوا ويتعلموا، إيه الفايدة لو اتعلمت أنا ومفيش فلوس لتعيلم إخواتى، همّا مش مقدرين ويتعاملوا معايا على إن ده فرض عليّا بس أنا مش زعلانة». «مهجة» تعمل خادمة لدى أسرة فى القاهرة، تتقاضى 1600 جنيه شهرياً، كانت تلك هى الأسرة الخامسة التى تعمل لديها على مدار 9 سنوات: «أنا فاكرة يوم ما أبويا بعتنى لعم عادل السمسار مع أمى اللى قالت له مهجة شاطرة وبتعرف تعمل شغل البيت كويس، أخدنى أشتغل عند ناس فى الإسكندرية، فضلت أشتغل عندهم خمس سنين وبعدين سافروا بره مصر، ومن يومها وأنا بنتقل من بيت لبيت، وحالياً أنا عند ناس طيبين فى القاهرة».
الحصول على خادمة لا يحتاج لكثير من العناء، فقط انظر بعينيك إلى أى ملصقات إعلانية على جدران المنازل أو أسوار المؤسسات الحكومية فى شوارع مصر المختلفة، وأخرى على المواقع الإلكترونية التى توفر مساحات إعلانية عبر شبكة الإنترنت، ستجد ما تريد من مكاتب لتوفير الخادمات المصريات، وغيرها لتوفير الخادمات من مختلف الجنسيات.
عبر تلك الإعلانات توصلنا إلى عدد من مكاتب التخديم والسماسرة، رغم أن معظم هذه الإعلانات سواء كانت ملصقات الشوارع أو الإنترنت لا تكتب تفاصيل كاملة عنها، لكن أغلبها وضع أرقام هواتف محمولة للاتصال والاستفسار. وتتيح تلك المواقع إمكانية اختيار الخادمة عن طريق ملء استمارة «اطلب مساعدتك فى الأعمال المنزلية» مباشرة عن طريق الموقع.
وقدمت محررة «الوطن» طلباً للحصول على «مربية أطفال» وآخر للحصول على خادمة تجيد الطبخ، وتضمن الطلب: تحديد جنسية الخادمة، السعر المطلوب، السن، المدة الزمنية للعمل، تحديد الإقامة دائمة أم مؤقتة، إلى جانب مواصفات أخرى، كالمستوى التعليمى والحالة الاجتماعية للعاملة. فى اليوم التالى جاءتنا مكالمة هاتفية من صاحبة المكتب، تدعى «هالة»، عرضت خلالها المتوفر عندها من خادمات وعروض أسعار، حاولنا معرفة تفاصيل أكثر عن الخادمات، فطالبتنا بالحضور إلى المكتب الخاص بها بمنطقة فيصل.[FirstQuote]
بدأ «حسن»، أحد المسئولين عن مكاتب التخديم، حديثه قائلاً: «نحن نوفر لعملائنا المربيات وخدم المنازل والطباخين ومقدمى الرعاية لكبار السن من المصريات والأجانب بجنسيـات مختلفة: إندونيسيات، فلبينيات، سريلانكيات، وسودانيات»، بمواصفات تناسب العمل فى المنازل المصرية. وعن احتياجات العملاء من ربات البيوت يتابع: «تفضل ربات البيوت الخادمات الأجنبيات أكثر من المصريات، حتى إن كانت أغلى منها فى الثمن، حيث تمتلك الخادمة الأجنبية سواء كانت مديرة منزل أو جليسة أطفال أو مسنين مميزات كثيرة، فهى بداية لا تحتاج إلى إجازات وتقيم بشكل مستمر فى بيت العمل، وغالباً لا تعول أسرة هنا فى مصر فيقتصر راتبها على متطلباتها الشخصية، بالإضافة إلى أنها منظمة، والأهم من كل ذلك أنها قليلة الكلام، ملهاش فى رغى المصريات».
ويستثنى «حسن» بعض ربات البيوت من الأغلبية التى تفضل الأجانب لعدة أسباب تمثل عيوبا فى الخادمة الأجنبية: «اختلاف اللغة يجعل هناك صعوبة فى التواصل بين الخادمات الأجنبيات وربات البيوت المصريات، إلى جانب اختلاف العادات والطباع التى تؤثر على الأطفال الصغار حيث تكتشف الأم بعد فترة من وجود الخادمة الأجنبية أن الأطفال يقلدون لهجتها فى الكلام وبعض تصرفاتها».
وعن الأسعار، قال أحد أصحاب مكاتب التخديم: «لدينا خادمات مصريات للعمل اليومى، وأخريات للمدد الطويلة، الخادمة المصرية التى تخرج للعمل يوماً أو يومين فى الأسبوع أجرتها 100 جنيه، أما التى تخرج للعمل شهرياً فتبدأ الأسعار من 1200 بمعدل يومين فى الأسبوع، أما الأجنبيات فيتقاضين رواتب مرتفعة تبدأ من 400 دولار شهرياً وتصل إلى 1000، دولار فمثلاً سعر الفلبينيات 750 دولاراً، أما الأفريقيات فهن أقل فى السعر، 400 دولار».[ThirdImage]
التقطت «هالة»، مديرة المكتب ما يتردد حول احتيال تلك المكاتب، مؤكدة أن سوء معاملة بعض ربات البيوت وأبنائهم للخادمات وعدم توفير سبل الراحة البسيطة لهن وتأجيل دفع الراتب لأكثر من شهر يضطرهن لترك العمل وليس الهرب. وتوضح «هالة» موقف تلك المكاتب قائلة: «رأس مالنا هو سمعتنا، ونحن لا نتدخل ولا نسمح بهرب أى خادمة من منزل خدمتها دون سابق إنذار، على العكس تماماً فنحن نوفر للعميل استبدال الخادمة لثلاث مرات دون أن نكلفه أكثر من شهر العمولة الذى نحصل عليه فى المرة الأولى. تحاول صاحبة مكتب استقدام الخادمات أن تعفى نفسها من المسئولية: «فى حال هرب أى بنت من منزل العملاء، أو ثبوت تورطها فى أى مشاكل قانونية فالمكتب لا يتعامل معها مرة أخرى ويتركها للدولة والقانون، فنحن ليس لنا أى سلطة عليها».
«قانون العمل والمعاشات لا يعطى العاملات بالمنازل أى حقوق، فهن غير خاضعات لقوانين العمل»، بحسب عبدالمنعم منصور، مسئول بنقابة العاملات بالمنازل، موضحاً أنه بذلك لا يمكن لأى خادمة تتعرض لأى مشكلة من أى نوع أن تتقدم بشكوى إلى وزارة القوى العاملة، كما لا يمكن إثبات مهنة العاملات فى البطاقات الشخصية. وشدد «منصور» على ضرورة أن تقوم السلطة التشريعية بضم هذه الفئة إلى منظومة العمل وسن قوانين تنظم العلاقة بين الخادمة وأصحاب المنازل، مشيراً إلى أن مفهوم العامل وفقاً للقانون أنه «كل شخص طبيعى يعمل مقابل أجر لدى صاحب عمل وتحت إدارته وإشرافه».
وأكد «منصور» أن مكاتب التخديم والسماسرة لا يقدمون أى حماية للعاملة، فأصحاب العمل فقط يتركز دورهم فى توفير فرصة عمل للخادمة، وينتهى دوره بعد أن يحصل على مقابل مادى من الطرفين، وقال: «لا بد من وجود عقد عمل موثق بشكل رسمى بين العاملة وصاحب العمل يتضمن جميع شروط العمل التعاقدية العادلة بما لا يخالف القوانين والاتفاقيات الدولية التى صدقت عليها مصر، بالإضافة إلى قانون خاص بعاملات المنازل ينظم جميع قضايا العمل الخاصة بهن وفقاً لطبيعة عملهن».