لا توجد وظائف خالية!

بات الذكاء الاصطناعي عنواناً أساسياً في المعالجات الصحفية، وتفاعلات "السوشيال ميديا"، وكلام الناس، وبرامج عمل الحكومات والمؤسسات التشريعية، في عديد البيئات، حتى أضحى استخدام هذا المصطلح وسيلة فعالة لجذب الانتباه وإثارة الجدل.

ولعل السبب في هذا الاهتمام والشيوع الطاغي يعود إلى عاملين أساسيين؛ أولهما يتعلق بالقدر المذهل من التطور الذي تنطوي عليه آليات الذكاء الاصطناعي، وقدرتها الفائقة على اجتراح جديد في كل ساعة، وثانيهما يتصل بدرجة كبيرة من الغموض تهيمن على الفهم العام لمسارات عمل هذه التقنيات، وأثرها في حياتنا البشرية، وما تطرحه من فرص ومخاطر.

ويشير استعراض مجريات النقاش العالمي الدائر راهناً حول الذكاء الاصطناعي إلى تركز التفاعلات بصدده حول ثلاثة مسارات؛ أولها ما يتصل بالرغبة التي عبر عنها آلاف من العلماء والخبراء ورجال صناعة التكنولوجيا والباحثين والمفكرين، بضرورة التوقف لفترة عن تطوير آليات هذا الذكاء غير البشري، للمزيد من الدرس والفحص وتدبر المآلات.

وثانيها ما يتعلق بالمخاوف العميقة التي يثيرها التطور المذهل في مجال الذكاء الاصطناعي على الحياة البشرية، وهي مخاوف عبر عنها بعض عرابي هذه التقنيات وكثير من المشاركين في تطويرها وتشغيلها.

وثالثها يتمحور حول الجهود التنظيمية والمقاربات القانونية اللازمة لتنظيم هذا القطاع، بشكل يعزز الفوائد الناجمة عن ازدهاره، ويقلص المخاطر التي بدأت في الظهور، وعاينت البشرية مدى قدرتها على التأثير السلبي في مجالات عديدة.

وفي الأسبوع الماضي، كانت العناوين الرئيسية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام العالمية تدور حول اختراقات بحثية وعلمية جديدة ساعدت تقنيات هذا الوافد العلمي الجديد في اجتراحها، بموازاة الحديث عن جهود تشريعية بدأت في الالتئام للتو لتنظيم عمل القطاع في أوروبا والولايات المتحدة.

ومن بين تلك العناوين الرئيسية برز أيضاً ما يتصل بتأثير تطورات الذكاء الاصطناعي على عالم الوظائف، حيث ظهرت بعض الحجج المتناقضة في هذا الصدد، بين علماء وقادة في قطاع التكنولوجيا يؤكدون أن هذه التقنيات الجديدة لن تقوض عالم الوظائف، وبين آخرين رأوا فيها خطراً كبيراً على توظيف البشر.

وعلى سبيل المثال، فإن كثيرين من أركان المجتمع العلمي والتكنولوجي العالمي يعتقدون أن للذكاء الاصطناعي ثلاثة عرابين أساسيين، ساهموا بالقدر الأكبر في تطوير تقنياته وآليات عمله؛ وهم جيفري هينتون، الذي استقال أخيراً من عمله على رأس الفريق المخصص لإدارة عمليات هذا الذكاء في "جوجل"، ويوشوا بنجيو عالم الحواسب الشهير، وأخيراً يان أندري، كبير أعضاء فريق الذكاء الاصطناعي في "ميتا"، التي تمتلك وتدير أعمال "فيسبوك" و"إنستجرام" و"واتساب".

وبينما يميل كل من هينتون ويوشوا إلى التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، ويلمحان إلى خطورته على عالم الوظائف، فإن يان أندري يرى العكس بصورة أو بأخرى؛ إذ يعتقد أن تقويض هذا الذكاء لعالم الوظائف البشرية يعد ضمن "السخافات المثيرة للسخرية".

والواقع أن رأي يان أندري في هذا الصدد يجب أن يؤخذ بقدر من الحذر، لما تنطوي عليه حالته من تضارب مصالح واضح؛ إذ إن الرجل ما زال يعمل في وظيفته نفسها، التي تتمحور حول تطوير آليات الذكاء الاصطناعي وتطويعها للمزيد من إنجاز الأعمال، في شركة "ميتا"، التي تستفيد بشكل واضح من توظيفها.

ويقتضي الإنصاف القول إنه لا يمكن تصور أن عالم التوظيف لن يتأثر بالتطور البالغ والحثيث في تقنيات عمل الذكاء الاصطناعي، خصوصاً إذا استعرضنا مستقبل الوظائف، وحللنا مدى توافقها مع إطار كفاءات هذا الذكاء الحالية والمتوقعة.

فكثير من الباحثين المتخصصين في مجالات التقنية وتأثيرها في مجالات العمل والتوظيف يتفقون على أن نحو "60% من وظائف المستقبل لم يتم اختراعها بعد"، وأن طبيعة الوظائف المتاحة في أسواق العمل المحلية والدولية ستتغير تغيرات جذرية خلال السنوات المقبلة، إلى حد أن وظائف كاملة نعرفها الآن ستختفي تماماً، وستنشأ بدلاً منها وظائف جديدة، بمسميات بعضها معروف وبعضها الآخر في علم الغيب.

ويتعلق عدد كبير من تلك الوظائف المستقبلية، التي قد تحل مكان الوظائف المُهددة بالزوال، بأنظمة الروبوتات، والبيانات الضخمة، وطواقم العمل الخاصة بقيادة الطائرات بدون طيار، وأنظمة الذكاء الاصطناعي المُعَززة للبشر، والنقل ذاتي القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والعملات الرقمية المشفرة، وتصميم أنظمة الاستشعار، والتعدين الفضائي، والطب الجينومي، وأنظمة التنقل الذكي عبر الأنابيب، والواقع "الهجين"، واللحوم المزروعة مخبرياً، وتكنولوجيا إنترنت الأشياء.

يقودنا تحليل هذه الوظائف، ومحاولة فهم طبيعة قوة العمل المطلوبة لإنجازها إلى أن الذكاء الاصطناعي، بقدراته الحالية والمتوقعة، سيكون هو الخيار الأمثل لإنجازها.

فكما يظهر من استعراض أسمائها أو تقصي أساليب إنجازها، فإن معظمها ربما صُمم مباشرة لمقابلة قدرات الذكاء الاصطناعي، وحتى لو وجد بين البشر من يستطيع أن يقوم بإنجازها، فإنه سيتطلب وقتاً وموارد أكبر بكثير من تلك التي تحتاجها أدوات الذكاء الاصطناعي.

لا تتمحور المخاوف التي يطرحها عالم الذكاء الاصطناعي على شيوع آليات التزييف العميق وزيادة مساحات الضلال فقط كما يعتقد البعض، لكنها تتسع لتطال مستقبل التوظيف، حيث تمتلك تلك الآليات قدرات تلبي استحقاقات التوظيف المستقبلية بكفاءة عالية وتكاليف زهيدة.

وهنا يكمن خطر ماثل، سيكون عنواناً رئيسياً في مقاربة تطورات هذا الوافد الجديد.