لم يعد بين جدران الدار شىء يدعو للتفاؤل، فرائحة «كولونيا» الأموات النفاذة التى تطايرت على جسد أمى تنتشر فى المكان، ليستطيع البقاء 12 ساعة وهو يستقبل القِبلة فى انتظار الغسل، تاركة زوجاً مكلوماً سرق الزمن من رصيد عمره 54 عاماً، وثلاث بنات توقفت مخيلاتهن عند مشهد وفاة شقيقهم الأكبر قبل 3 سنوات من رحيلها، وولدين حاول كبيرهما الوقوف بجوار أبيه فى سرادق العزاء فضعفت قدماه عن حمل جسده النحيف، وأنا، فلا تزال يداها ترتسم على ظهرى وهى تحتضننى وقت خروج روحها.
صمت دائم، وهدوء بطعم الخوف، تتخللهما أصوات قراء المأتم وهى تنبعث من مسجل صوت أسود كبير، يتنقل بين دور الأموات فى الريف حتى يمضى فقيدها شهره الأول فى قبره، أما هى، فزاحمت أصوات أوانى الطهى تحت يديها فى مطبخ بيتنا جمل وعبارات المعزين، الذين ظلوا يترددون علينا حتى غروب عصر «الأربعين».
فتاة عشرينية العمر، متزوجة من أحد شباب قريتنا، لديها بنت واحدة، وتنتظر وصول الأخرى -وقتها- قبل أن ترزق بثالثتهما وابنها الأوحد، قررت أن ترفع العبء عن الجميع، وأن تقف وحدها فى مواجهة «الغم» الذى التف حول الدار وسكن بها، آمنت بأن لكل أجل كتاباً، وأن لكل بيت رباً لا بديل أمامه سوى تجميد مشاعره للعبور بسفينته إلى بر الأمان.
عام ونصف العام مر على وفاة أمى، انتهى حينها عامى الدراسى الأول فى كلية الآداب بجامعة المنوفية، ليحل موعد زواج آخر شقيقاتى قبيل عيد الأضحى بيومين، فيزداد المشهد سوءاً وضبابية عن مصير أسرتنا التى لم تجد أمامها سوى «صدر وكتف» الشقيقة الوسطى لنقول ونهمس ونتحسس مستقبلاً بلا هوية، فكانت عند حسن ظن الجميع -إلا نفسها- فكلما مدحها الناس ومدحناها، تحدثت عن تقصيرها تجاهنا وقسوة القدر، جعلت من نفسها الحارس الشخصى الأمين على جميع أفراد الأسرة، فأصبحت ملاذنا فى أوقات الضيق والفرج، وعقلنا المفكر لصنع المستقبل الذى رسمناه تحت إشرافها، حتى وقف كل منا على قدميه وسلك طريقاً كانت هى أداة عبوره.
مرت أيام -وسنون- سريعاً، ورست سفينة كل منا فى مكان بعيد عن الآخر، فأصبحنا نلتقى فى المناسبات العائلية والإجازات الرسمية، فرقتنا الأيام بطبيعتها، ولم يعد لنا مرتع نجتمع فيه مع باقى أفراد العائلة سوى قلبها وعقلها، فقبلة منى -بانحناء رأسى- على قدم شقيقتى «أم منة»، كما تحب هى أن نلقبها.