كيف حالك يا أبي؟
(1) أخبروني أن شجرة بجوارك أنبتت خمس وردات، وهذا ما لم يحدث منذ زراعتها قبل سنوات، ربما تعجبوا من ذلك أما أنا فلا!
ما زلت يا أبي غير قادر على تصديق ما حدث، أو اتباع اسمك بـ«الله يرحمه»، فكيف تموت وأنت حيّ بداخلي؟!ثم ما هذه الكلمة الدخيلة على بيتنا! «الموت»!
كنا نتندر يا أبي ونحن صبية بأن الموت يزور كل بيوت القرية إلا نحن، فصفعنا الموت أدمى عيوننا بوفاة جدتي في 2010، وحينها رأيتك تبكي وأنت عزيز الدمع!
أذكر جيدا أن جدتي كانت تقول لي: «مش هموت غير أما أشوفك داخل عليا شايل أخوك»، فكيف لهذه السيدة الأمية التي تحفظ عدة سور من القرآن ولا تدرك أحكامه أو تشغل بالها بفقه أو غيرِه، أن تكون كمن أقسم على الله، حتى أبرها الله في قسمها!فلم تمت جدتي إلا وعمر أخي تسعة أشهر، بعد أن رأت كسرة خبز بين يديه، وكان آخر عهد لنا بها ابتسامة!
جدتي التي كنت تمر عليها كل ليلة لتوقظها لصلاة الفجر فتنقر بهدوء على شباكها فتجيبك بكلمة واحدة؛ «صاحية»، ولحقت بها يا أبي وعمر ابنتي تسعة أشهر!
(2) 1 يوليو 2023 الساعة 1:33 م
اتصال من ابن عمي وبصوت متردد، يطلب مني أن أحضر حالا، «أبوك تعبان شوية»، لا أدري يا أبي كيف جاء ردي وكيف جرؤت أن أسأل هذا السؤال! وأنت الذي لم تمرض قط!، سألته: «أبويا مات؟»، فأجاب نعم! حينها ميزت صراخ أمي خلف صوته!
سقطت يا أبي مكاني لا أدري ماذا أفعل، ألم أحاط بكل جزء في جسدي، لا أقوى على الوقوف أو حتى البكاء، ولا أدري ماذا أفعل، كنت كلما ألم بي أمر يحزنني أو يشغلني أهاتفك أنت، فماذا أفعل وبمن أتصل! ثوانٍ ثم انفجرت!
لا أدري يا أبي كيف ارتديت ملابسي، وكيف أصبحت في الشارع بعدها بدقائق، لا أعرف إلى أين وجهتي، ولكن سكونا أحاطني لدقائق أرشدني إلى طريقي!
ركبت سيارة إليك، وجاءني اتصال من ابن عمي بعدها، يسألني في أمور ما كنت أتخيل أن أُسأل فيها، فكيف أتخذ في أمور تخصك أنت قرارات كتلك؟ لكن لا أحد على الأرض يا أبي يمكنه أخذ هذه القرارات الآن إلا أنا! فارتديت عباءتك وجلبابك وتحليت بسكينتك وقررت ما رأيته الأنسب.
وفي كل هذا بحر من الدموع لم أكن أتخيل للحظة أنه لدي، وأنا الذي لم أبك منذ سنين، وكأن عينيّ انتهزتا الفرصة فقررتا البوح بما بهما مرة واحدة!
(3) تركت السيارة فأقلني صديق إلى المنزل وأنا ذاهل، لا أرغب في الوصول، لكنني وصلت! رأيت منزلنا فوقفت مكاني لم أستطع أن أخطو خطوة واحدة، فهب المنتظرون بالشارع إليّ معزيين، فكان لابد أن أرتدي عباءتك وجلبابك مرة أخرى لأكمل الطريق إليك.
اعتدنا يا أبي على الهدوء في بيتنا، لكنني لم أجده! اعتدت على ملاقاتك لي بـ«أهلا يا ريس» لكنك لم تلقني!، كان السواد حاضرا والدموع قبل الوصول إليك بحر، وبينهم أنا!
فأنا الآن كبير البيت، من يجب أن يواسي ويدفن حزنه بداخله ليقوى به غيره. وساقوني إليك كمن يساق للذبح، حينها أيقنت أن عمري ألف عام وأن شيخوخة أصابت أحلامي قبل جسدي!
(4) كنت تعرف ولعي بمعرفة حكايات الأجداد فكنت تحكي لي عنهم بفخر يشوبه حزن دفين ينتهي بـ«الله يرحم الجميع»، أخبرتني أنك وقفت على غسل جدي وعمرك حينها لم يتجاوز الثمانية عشر عاما، وكنت الوحيد الذي جرؤ على ذلك بين ستة أشقاء منهم من يكبرك بعشرين سنة كاملة!
قلت حينها إنك أمسكت برأس جدي في غسله، فامسك رأسي في غسلي ففعلت، وقلت أُم الناس في جنازتي فأمَمت، ووقفت أمام بابك ملقيا نظرة أخيرة عليك.
(5) في اليوم التالي وقفت بين الناس مادا إليهم يدي أتلقى العزاء فيك، ولا أدري يا أبي كيف جئت بكل هذه القوة لأقف كل هذا الوقت دون أن تنزل مني دمعة واحدة، وما كان دوري إلا أن أتلقى دموع من جاءوا من أحبابك على ملابسي، يعرفونني ولا أعرفهم، ويتوسدون كتفي مستمدين منه قوة لا أدري أهي به أم لا!
آلاف يا أبي حضرت إليك، لك وحدك، غير مصدقين!
لم أبك يا أبي في عزائك، لكنني ما إن انتهى اليوم ودخلت حجرتك التي كنت أتهرب من دخولها، وجدت ابنتي وزوجتي فأخبرت ابنتي حينها أنك مت وانهرت! أفي هذا عيب يا أبي أن ينهار الرجال لفقد حبيب؟!
(6) أخبروني يا أبي أن عليّ أن أنهي أوراقا لك بعدة جهات، فسافرت أماكن عملت بها منذ 37 سنة.كيف خبأ الزمن لي بحرا كهذا وجب عليّ أن أخوضه؟ سرت يا أبي في طرقات سرت فيها قبل مولدي ودخلت مبانٍ لم تتغير منذ عقود، ربما قبل مولدك! جلست على دِكة تكبرني، ولوهلة سألت نفسي أخطوت يا أبي هذه السلالم؟ ربما جلست على هذه الدِكة في شبابك وكانت هي الأخرى في شبابها!
سرت في طرقات عشت بينها 3 سنوات، وقضيت أنا فيها ساعة واحدة، ولا أدري أسأزورها مرة أخرى أم لا!
أجلسني موظف بجواره، وبعد النظر في الأوراق، قال متعجبا ورق من هذا؟ قلت أبي! قال لكنه لم يكمل الستين! قلت: «توفى»، فهب الرجل واقفا ومن جاوروه، ونصبوا صوان عزاء بالمبنى كمن فقدوا عزيزا!
(7) زرت قبرك يا أبي وأنا الذي لم يزر المقابر منذ سنين، فهالني ما بها! فالجميع يخرج إليها في الجُمع كمن يخرج إلى بستان أو عرس، يحيط كل منهم بقبر عزيزه، فأوقفت ابنتي أمام قبرك، ما زالت لا تعي لكنها ستعي!
أعرف كل ركن في البيت ومتى كنت تفضل الجلوس بأركانك الخاصة، لكنني لا أستطيع تجاوز مكانك وأنت تقرأ القرآن قبل أن يصلني الخبر بليلة واحدة، فكنت تمسك المصحف بيد وتلاعب ابنتي بيد، وأنا أنظر إليكما وابتسم.
أدركت يا أبي حبك لها عندما أمسكت هاتفك، فكنتما تلعبان معا في زيارتنا الأخيرة واكتشفت أنك التقط لها أكثر من 50 صورة وأنت تلاعبها وتحتضنها، أكنت تشعر بدنوه يا أبي؟!
(8) عدت يا أبي إلى بيتي، أراك بكل ركن فيه، فهذا ركنك الأثير كلما زرتني لا تجلس إلا فيه، بل ساقني شريط الذكريات منذ اليوم الأول الذي دخلنا فيه العمارة معا وتجهيز الشقة خطوة خطوة وزياراتك لي! ألن تزرني يا أبي؟!
وضعت صورة لك فوق كنبتك الأثيرة تحمل فيها «حياة»، كانت صورة من عقيقتها التي أقسمت ألا أتحمل فيها جنيها واحدا، ودعوت لها أهل القرية، وأنفقت فيها ما ينفق على عُرس! وكنت تقول: «عشان أما أموت تعرف جدها عملها إيه».
لذلك يا أبي وضعت هذه الصورة تحديدا أمام عينيها باستمرار لتعرف ماذا فعل جدها لها ولأبيها.
(9) عاب الناس عليك أن اقتلعتني من القرية للمدينة، قالوا اتركه مع أهله ليعيش بينهم، وكان دائما ردك، بأنك ترى ما لم يروه، وأن أخي سيلحق بي.
أخبرتني أن فرصة جاءتك لتعيش في مكان أفضل ولكن جدتي ألحت ألا تفعل؛ فامتثلت لها مقبلا يدها طالبا منها الرضا فماتت راضية عنك، إلا أنك قررت ألا أمر أنا بما مررت به أنت ونقلت حياتي بنفسك.
(10) أعدك يا أبي أن يعيش اسمك ألف عام، وكما يثني الناس عليك وعلى سيرتك، فسنرتدي عباءتك وجلبابك وسنستمر في طريقك ومسعاك.
أخذت مسبحتك يا أبي ووضعتها على مصحف أهديته لي يوم عرسي، ووضعتهما بجوار صورتك الأحب إليك، وأعلم يا أبي أن فقدك ذبحني، وحزني عليك أبدي وابتسامتي منقوصة ولو مر على فراقك ألف عام، وأعلم أن سيرتك بيننا محفوظة وطريقك بيننا قائم سأسير عليه وأخي معي يدا بيد إلى أن نلقاك، وليكن خيرك الذي زرعته طوال 56 سنة و10 أشهر و5 أيام، دليلنا إذا أحاطنا الضباب.