لويس التاسع مُخطط حروب الجيل الرابع!

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

ننسب خطأ ما تعانيه المنطقة العربية اليوم لـ«كونداليزا رايس»، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، ومقولتها الشهيرة «الفوضى الخلاقة». يصر مثقفونا أن يؤرخوا لمفهوم الفوضى ببدايات الألفية الثالثة، وهو خطأ لا يعبر إلا عن استمرارنا فى تجاهل التاريخ وأحداثه، واتجاهنا لتكرار الأخطاء ذاتها. بينما عدونا يخطط بعمق منذ سنوات بعيدة معتمداً على قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه ليُحكم سيطرته على العالم، بما فيه نحن. تذكرت تلك العبارة وأنا أقرأ عن وصية لويس التاسع للفرنسيين، مُحدّثاً إياهم عن مصر التى هُزم فيها بموقعة المنصورة عام 1250 حينما قاد الحملة الصليبية السابعة. لم تكن هزيمة لويس التاسع على يد المماليك فحسب كما هو متعارف، لكن على يد البسطاء من المصريين أيضاً الذين شاركوا فى تنفيذ خطة بيبرس بإخلاء شوارع المدينة من ناسها والاختباء فى البيوت والسماح للقوات الفرنسية بالدخول لإيهامهم بفرار المصريين. وهو ما حدث فخلع الفرنسيون سلاحهم ولم يفطنوا للخدعة إلا عند هجوم المماليك والمصريين عليهم. كان الفلاحون فى بلادى يضعون الأوانى النحاسية على رؤوسهم كخوذات لحمايتهم. وانتهى الأمر بمقتل آلاف من جنود الحملة وعلى رأسهم فرسان المعبد، وأُسر لويس التاسع فى دار بن لقمان بالمنصورة لعدة أشهر حتى افتدته بلاده بمبلغ من المال ليترك مصر بعد أن تعلم واحداً من أهم الدروس فى حياته صاغها فى وصيته الشهيرة التى لم يُكشَف عنها إلا منذ نصف قرن تقريباً. اقرأوا بتمعن تلك الوصية لتعلموا كيف يستفيد الغرب من دروس التاريخ ويقرأونها جيداً ويخططون على أساسها. تقول وصية لويس التاسع: «هذه الشعوب لا يقضى عليها السلاح -أى لا تبدأ فى القضاء عليها بالسلاح- إنما يجب أن تقضى على عقيدتها وثقافتها». هل ركزتم فى العبارة؟ هل أدركتم وصية لويس لبنى جنسه؟ هل تفهمتم كيف يضعون خططهم بعد أن جربونا وأدركوا أن القضاء علينا لن يتم بالسلاح ولكن بالقضاء على عقيدتنا ومفاهيمنا وثقافتنا واللعب فى أدمغتنا. فـ«لويس التاسع» رأى بأم عينه كيف أن مصر لا يدافع عنها الجنود النظاميون فقط، بل فلاحوها الغارسة أرجلهم فى طمى نيلها، السارى فى عروقهم أمنهم القومى كسريان الدم. لذا فهم لا يهابون السلاح ولا يخشونه، ولا يتراجعون أمام جحافل الغزاة مهما كان تقدم أسلحتهم. هم يُقدمون على العدو فيقطعونه إرباً وهم يرتدون أدوات الطبخ النحاسية كخوذات ما دام الأمر يتعلق بالعرض والأرض. ولذا أوصى أهله ومن يأتى بعدهم بالقضاء على العقيدة والهوية والثقافة لدينا إن أرادوا هزيمتنا والقضاء علينا. وهو ما يحدث منذ منتصف الثمانينات حينما تم الانتهاء من وضع خطة برنارد لويس وبريجينيسكى فى سياقها الأمريكى بتفتيت المنطقة شيعاً وفقا للديانة. ومنذ أن بزغت قنوات الفتنة، أياً كانت لغتها فى التسعينات بمكر الحية الرقطاء تروج للدم وتعوّد عيوننا عليه، تنقل الحروب لنا فنرى دمار البيوت ونزوح اللاجئين واحتلال المدن ونحن نتناول المكسرات والمياه الغازية الأمريكية أمام الشاشات، تهز القيم والتقاليد والثقة فى الموروث وتخلق أنماطاً مختلفة من السلوك لدى أجيال تقطعت صلتها بالحاضر والماضى فى بلادنا. وللأسف كنا شركاء حينما قبلنا ذلك وحينما غابت الدولة.