لماذا أحببت الثانوية العامة؟
تعرفت إلى الثانوية العامة في منتصف الثمانينات الفائتة، وعلى عكس ما يثيره اسمها من مشاعر متضاربة ومخاوف أيضاً لدى قطاعات واسعة من الجمهور المصري، فقد أحببتها، ووثقت بها، ولا أتذكرها، حين يرد ذكرها، سوى بالامتنان والخير.
لم يكن إطار المعلومات المُتاح آنذاك يسمح لي بمعرفة الكثير عن أنماط التعليم الموازية؛ سواء كانت تعليماً دينياً أو أجنبياً؛ إذ كانت البيئة الاتصالية محدودة وشحيحة، ولم تكن المصادر المُتاحة تسمح سوى بمعرفة أن كل من هم في سني، ويواصلون تعليمهم، سيكون لزاماً عليهم أن يخوضوا امتحاناً واحداً، في وقت واحد، وبآلية تصحيح واحدة، وبدرجة من الكفاءة والعدل، ستسمح لاحقاً بفرزهم عبر معدل درجاتهم وإجادتهم في الامتحان، ومن ثم سيتحدد اسم الكلية التي سيواصلون فيها تعليمهم، أي سيتحدد مستقبلهم المهني، ثم الاجتماعي والمادي.
كانت تلك معادلة مفهومة ومنطقية، وكان بوسعي استيعابها والقبول بها، وكان الطريق إلى ذلك سهلاً وواضحاً: المذاكرة والاجتهاد، ثم الإجادة في الامتحان، والباقي سيتكفل به نظام عمومي، سيعطيني حقي على الأرجح، وسيأخذني إلى المكان الذي أستحقه وأقدر على متطلباته.
هل كان التعليم الذي تلقيته في المدرسة الثانوية العمومية المجانية تقريباً ممتازاً؟لم يكن كذلك. لكنه لم يكن رديئاً. لم يكن متكاملاً. لكنه كان منضبطاً ومُعرفاً بوضوح. لم يجعلني أماثل خريجي الجامعات المرموقة على الصعيد العالمي، أو حتى أقترب من إطار كفاءاتهم، لكنه كان كافياً لكي يمكنني من الدراسة في إحدى كليات القمة المصرية، والعربية أيضاً، وأن يؤهلني لوظيفة في جهة وطنية مرموقة، ثم يقودني للعمل في نحو 20 دولة، وفي بعض المؤسسات العالمية ذات السمعة والمكانة البراقة.
هل كان الطلاب آنذاك يحصلون على فرص متكافئة؟كانت هناك درجة من تكافؤ الفرص مناسبة؛ فالبعض حصل على دروس خصوصية، أو استطاع شراء ملخصات وكتب خارجية أكثر فاعلية من الكتب الحكومية، وقد حدثت أيضاً بعض الأخطاء في عمليات التصحيح، لكن كل هذا لم يطح بجوهر التنافسية وتكافؤ الفرص، وكل هذا لم يمنع أولاد البسطاء من التفوق، ومن دخول الكليات التي تمناها أولاد المترفين والميسورين ولم يقدروا عليها.هل كانت الثانوية العامة عادلة؟نعم. أشهد بذلك.
بل كانت أيضاً سبيلاً مُتاحاً لتحقيق التفوق العلمي بمعزل عن الإرث الاجتماعي والمستوى المادي، وكانت أيضاً، وذلك هو الأهم وسيلة لتحقيق التغيير الاجتماعي، وتيسير الصعود المؤسس على عوامل الكفاءة والجهد الشخصي. وتلك شهادة لا أعتقد أن هناك من يجد ذرائع كافية لنقضها.
الآن تغيرت تلك المعادلة المنطقية والمفهومة، وتغيرت تلك الصيغة التي كانت تُمكن أبناء البسطاء، ضمن منافسة عادلة، ودرجة مناسبة من تكافؤ الفرص، على تخطي أوضاعهم المادية والاجتماعية، وعلى التأسيس لعالمهم على أسس معيارية، قوامها الكفاءة والاجتهاد.
وهكذا بُنيت الطبقة الوسطى المصرية، وهكذا لعبت دورها وواصلت رسالتها في العمل الوطني، وهكذا أنتجت أمثلة عديدة، سيُشار لها بالبنان، وستحمل مسئولية تجاه عائلاتها وطبقتها ووطنها، وستنجح في الوفاء بها في مفاصل عديدة.
الآن تغيرت تلك المعادلة، ليس فقط عبر أنماط التعليم الموازية، وهي حق لكل أسرة بكل تأكيد، كما تنص المعاهدات والمعايير الدولية المتصلة بتنظيم حق التعليم، ولكن أيضاً عبر الإخفاق في إدامة نظام الثانوية العامة لدينا عادلاً بما يكفي، ومنطقياً بما يكفي، وبعيداً عن التلاعب كما يجب أن يكون.
بالنظر إلى أوضاعنا العمومية، ومعاناة قطاعات من الجمهور من التواجد تحت خط الفقر، والارتفاع الكبير في نفقات المعيشة ومصروفات التعليم، بموازاة محدودية الدخل، فإن صيانة نظام الثانوية العامة، وإبقاءه عادلاً وشفافاً يُعد فريضة وطنية، لأنه سيظل الباب الوحيد المُتاح لفرز المواهب والكفاءات بين أبنائنا، والوسيلة الأنجع والأنبل لإتاحة التغيير والصعود الاجتماعيين، وسيظل أيضاً التعبير الأمثل عن نزاهة الدولة والمجتمع.
الأنباء عن تراجع مستوى التعليم المدرسي العمومي، وتغييب المدرسة، وغياب المدرسين، أو تقاعس بعضهم عن الوفاء بواجباتهم حيال التلاميذ، تضرب هذا المعنى في العمق.والأنباء عن تفشي الدروس الخصوصية، واعتمادها طريقة مفرطة في البراجماتية التعليمية، عبر التلخيص المُخل لمقابلة غرض الامتحان بدلاً من الوفاء بمقتضيات التعلم، تضرب هذا المعني في العمق.
والأنباء عن الغش الجماعي، ووصول من لا يستحق إلى كليات بعينها، على حساب المجيدين والمجتهدين الذين لم تمكنهم أوضاعهم الاجتماعية من الحصول على ميزة التفوق، تضرب هذا المعنى في العمق، وتضرب معه معان أخرى كثيرة، سيكون لها عواقب على درجة التماسك المجتمعي، والسلم الأهلي، والعدالة والنزاهة.
هل يعني هذا أن نظام الثانوية العامة في المدارس العامة الآن هو أفضل النظم التعليمية وأكثرها نجاعة لتحقيق التقدم التعليمي في البلاد؟
ليس بالضرورة، لكن ما ينطوي عليه هذا النظام من قيم ومعايير ما زال صالحاً للبناء عليه، والتطوير مطلوب، على آلا يخل بتكافؤ الفرص والعدالة التعليمية، التي هي حق من حقوق الإنسان، تقره مصر في دساتيرها كلها وفي جميع ما وقعت عليه من معاهدات دولية.
الثانوية العامة كما أعرفها ليست أفضل نظام تعليمي قبل جامعي، لكنها تتمتع بمعايير نحتاجها وتناسبنا، وعلينا آلا نجور عليها، أو نتهاون في مواجهة التلاعب بها.