أريد الفلوس فقط لأن الماكينة معي!

أشرف توفيق

أشرف توفيق

كاتب صحفي

يقولون إن الإعلانات التى تظهر أمامك على «السوشيال ميديا» يرتبط محتواها بما قمتَ به مسبقاً من عمليات البحث، وباهتماماتك، وباحتياجاتك التى عَلِمَتْ بها الخوارزميات من دون حَوْلٍ منك ولا قوة، ولكننى أيقنت أن كل هذا كذب وخداع عندما ظهرت أمامى على صفحات «فيس بوك» إعلانات متتالية عن ماكينة «عدّ النقود». كلما فتحت الموقع نطّت أمام عينى عشرات الأنواع من الماكينات.. وكل منها يتفنن فى لفت انتباهى، فهذه تعدّ إلى رقم به أصفار كذا، وتلك تعدّ بأكثر من عُملة أجنبية، وأخرى تدعو لك بالبركة وتبوسك من خدك مع كل ألف جنيه!

كل هذا جميل، ولكن أين الفلوس التى ستعدّها الماكينة أساساً؟ لم أذكر أبداً أننى بحثت عن ماكينة عدّ نقود، ولم تكن أبداً من اهتماماتى، ولا من الأمور التى أحلم بها ليلاً لتلتقطها خوارزميات «فيس بوك» اللعينة. أنا دائماً أفكّر فى الفلوس نفسها، وليس فى ماكينة عدّها.. أحضروا لى الفلوس فقط، وسأعدّها بأصابع يدى وقدمى وبدمى وبدموعى وابتساماتى!

والجميل أن الإعلانات تَعِدُنى بالمتابعة والصيانة وخدمات ما بعد البيع فى حالة استهلاك الماكينة الشديد. يا سيدى الفاضل، أى استهلاك؟ هذه الماكينة لو دخلت بيتى فستموت من الملل والبطالة، لن تحتاج «تزييت» أو «قطع غيار» لأنها ستبقى بحالتها إلى يوم يُبعثون. وحتى إن وضعتُ بها تحويشة عمرى فستنتهى مهمتها بعد «فِرررر» واحدة، وستسألنى بدهشة «خلاص كده؟»، فأقول لها كما قالت بدرية طلبة «أومال انت فاكر إيه؟».

كل هذا يهون، ولكن يبدو أن من أتعامل معهم فى حياتى اليومية عرفوا بالخبر، وباتت سُمعتى كرجل «فريلانسر» أرزُقى على باب الله محل شك، وتغيرت نظرة الناس إلىّ، وكأنهم علموا بأن إعلانات ماكينة «عدّ النقود» أصبحت تظهر لى.

خذ عندك مثلاً، ذهبت منذ أيام إلى مدرسة أبنائى لأستعلم عن مصاريف القسط الأول، والجميع يعلم أن مصاريف المدارس الخاصة لا تنتهى حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم، وعندما سمعت الرقم، أصابتنى الدوخة السنوية، وبحثت عن أقرب كرسى لأرتاح عليه كما أفعل كل عام، ولكننى لمحت نظرة خبث فى أعين المحاسبين «هذا الثعلب يدّعى الفقر، رغم أن إعلانات ماكينات عدّ الفلوس تظهر له على فيس بوك»!

منذ أعوام، وكلما ذهبت لأشترى الخضراوات، وتعجبت من ارتفاع أسعارها، تتحفنى البائعة الطيبة بآرائها العميقة وهى تفترش رصيف الشارع قائلة «اصبر شوية.. هى غالية عشان الزرعة الجديدة لسه ما جاتش».. أعوام تمرّ وأنا أنتظر الزرعة الجديدة، البصل والطماطم والبطاطس والخيار، وكل شىء أصبح ينتظر معنا الزرعة الجديدة. يقولون لى إن السبب هو الفلاحون، فأذهب فوراً إلى قريتنا فى البلد وأتحدث مع الفلاحين، فأجدهم أيضاً منذ سنوات ينتظرون معى الزرعة الجديدة.. كلنا هنا معاً، من سيزرع الزرعة الجديدة إذن؟ ولكن كل هذه الأزمات لا تهم، ما دامت إعلانات ماكينة «عدّ النقود» تظهر لى على «فيس بوك»!

الأمر غريب ولكنه ليس بغرابة ما يحدث فى الفن مثلاً، فالآن أصبح من الطبيعى أن «يشرشح» الفنان لمتابعيه إذا انتقدوا فنه، وأن يأخذ على صدره كل كلمة تقال حول أدائه رغم أنه لو أنفق وقته فى تطوير نفسه لبات أفضل له ولنا ولسكان درب التبانة كلهم. الآن يمكنك أن تتمتع ببيانات النقابات الفنية التى تدافع عن حرية الإبداع وعن حرية المؤلف فى ذكر النماذج الشاذة فى المجتمع أياً كانت وظيفتها، ولكنك ستتعجب -أكثر من تعجبى بخصوص ماكينة عد النقود- عندما ترى نفس النقابات تهاجم بعنف أى عمل فنى يمس مهنة المنتسبين إليها.

فى القطار المكيف بُحّ صوت الشاب المحترم وهو يحاول إقناع محصل التذاكر أنه قد دفع التذكرة إلكترونياً على الموقع الرسمى للهيئة، وأخرج صورة التذكرة الإلكترونية، ولكن المحصل رأسه وألف سيف أنه لا يصدق هذه التقاليع، ربما لأنها رجس من عمل الشيطان، أو من أباطيل جماعات «القوس قزح»، وأنه لا يعترف سوى بالتذكرة الورقية، رغم أن حجز التذكرة إلكترونياً تعلن عنه الهيئة رسمياً للتيسير على المواطنين، ولكنه أفحم الشاب قائلاً «أعمل أنا إيه بصورة يعنى؟ افرض انت صورتها بس ما دفعتش!»، وأصبح الشاب الذى صدّق إعلانات الهيئة وحجز إلكترونياً مطالباً ليس فقط بسعر التذكرة وإنما بغرامة أيضاً لأنه جلس على كرسى لم يحجزه. كدت أن أتدخل، ولكننى لمحت نظرة فى عين محصل التذاكر مفادها «اقعد انت مرتاح فى كرسيك يا باشا انت.. ياللى بتطلع لك إعلانات مَكَن عدّ الفلوس».

لم أصرّح بالسر لأحد من أهلى الطيبين فى البلد، فأغلب الظن أنهم سيقيمون ليلة ولا ألف ليلة احتفالاً بابن بلدهم الذى ظهرت له إعلانات ماكينة عدّ النقود، وربما ذهب أحدهم إلى أقرب البنوك وملّ من الانتظار فصرخ فى وجه المحاسب «خلّصنى، وبلاش فذلكة بالمكنة اللى قدامك دى.. ما ابن توفيق عنده واحدة»! وربما مسحت أمى الطيبة على رأسى، وطالبتنى بأن أعود إلى البلد لأعيش فى هدوء وسلام دون صراعات قانعاً بصورة ماكينة عدّ النقود، بدلاً من أن يضيع عُمرى فى الفرهدة والكتابة لِلى يسوى واللى ما يسواش!

يا سيدى الفاضل.. أعرف أن هناك أموراً أكثر أهمية من حكايتى مع ماكينة عدّ النقود، مثل هويتنا الفنية، وتراثنا الحضارى، وتصريحات المسئولين، ومصاريف شهر سبتمبر العظيمة مع دخول المدارس، وصراع الدورى، وانتخابات نادى الزمالك، وصراع الأستاذ مصطفى كامل مع حمو بيكا وعفروتو، وآخر ضحايا سفاح الجيزة، ولكن دعنى أفضفض، خاصة أن فكرة خوارزميات «فيس بوك» وارتباط نتائج البحث باهتماماتى واحتياجاتى أوحت لى بفكرة عظيمة أطبقها منذ فترة، وهى أن كل أسئلتى واهتماماتى واحتياجاتى أصبحت تتمحور حول سؤال واحد «إيه الحل فى اللى إحنا فيه؟» طمعاً فى أن تجيبنى الخوارزميات.. وما زلت قابعاً بجوار صورة ماكينة «عدّ النقود» أنتظر الإجابة!