ميلاد جديد
كانت الشمس تهمُّ بالغروب وتُلملم أذيالها من صفحة السماء، فيما اختلست نسمة صيفية الفرصة وطافت على الجباه الملتهبة تُخفّف من حرِّها، ها هو شهر أبريل من عام 2016 يرفل هو الآخر فى أيامه الأخيرة إيذاناً بالرحيل.. كل الأمور والأحداث حتى الآن تبدو طبيعية، تمضى الساعات فى رتابتها المعتادة، ومع انتهاء مواعيد العمل، يجمع الرجل أشياءه ويغادر مقر الجريدة.
فى بداية الطريق يضع سماعات الهاتف فى أذنه، ويدير الوسائط عشوائياً دون اختيار، فتتدفّق «فيروز» إلى روحه تحكيه قصتها مع «شادى»: «من زمان أنا وصغيرة كان فى صبى ييجى من الحراش ألعب أنا وياه كان اسمه شادى.. أنا وشادى غنينا سوى، لعبنا على الثلج ركضنا بالهوا.. ويوم من الأيام ولعت الدنى ناس ضد ناس علقوا بهالدنى وصار القتال يقرب على التلال.. شادى ركض يتفرج خفت وصرت أنده له: وينك رايح يا شادى.. أنده له وما يسمعنى ويبعد يبعد بالوادى.. ومن يومتها ما عدت شُفته.. ضاع شادى».
حيَّرتنى «فيروز» حتى هى تُحاكينى عن «الرحيل» الذى يُحاصرنى بين أضلع ثلاثة «شمس تغيب، وشهر يُغادر، وشادى الذى ضاع من زمان».. أبحث عن مخرج، أنطلق إلى حيث الضلع الأخير المتبقى، أمضى وأهرول، يتحرّر جسدى وكأنما الدنيا تحملنى على راحتيها، ثم تدفعنى دفعاً فأجد نفسى أقطع أشواطاً حول الميدان لا أعرف عددها كمن يطوف بالبيت العتيق.
ربما للمرة الخامسة تقودنى قدماى إلى ميدان الدقى فى هذا اليوم، لا يشغلنى عدد الخطوات، ولا انقضاء الوقت، فقط تأسرنى الوجوه، أتفحصها فى رحلتى علِّى أجد بينها وجه «شادى».. أعود لحيرتى مجدداً، ولكن «فيروز» لم تدلنا على وصف «شادى» وملامحه! ربما هى نفسها لا تعرف وصفه الآن، فقد كبرت وظل شادى طفلاً: «عشرين مرة أجا وراح الثلج.. وأنا صرت أكبر وشادى بعده صغير».
للمرة السادسة.. ها أنا عند الميدان، أهمُّ باجتياز رصيف المشاة أسفل كوبرى الدقى إلى الجهة المقابلة، أرفع قدمى، فإذا الناس من حولى يشيحون بأيديهم فى وجهى، يشير لى شرطى من بعيد أن أتراجع، أنزع سماعة الهاتف، أنظر أسفل قدمى وأتسمّر فى مكانى على قدم واحدة، كلقطة ثابتة من فيلم سينمائى انقطع «النت» فى أثناء عرضه، أفيق من قصة «فيروز»، وأتراجع خطوة إلى الخلف، فإذا الخلق مُتحلقون حولى، فى شبه دائرة قطرها يتجاوز العشرين متراً، لا أعرف كيف اخترقتها.
بدأت الصورة تتضح، ربما لحظة أو أقل، نصف خطوة أو أقل، غمضة عين، شهيق، زفير لا أتذكر، كان يفصلنى عن مصير «شادى» وعن الضلع الرابع لـ«الرحيل»، ففى الأرض تحتى تماماً، كان هناك كيس بلاستيكى أسود داخله أسطوانة حديدية يُشتبه فى أنها عبوة ناسفة، وأنا على وشك أن أطأه بقدمى.
لحظة بألف عام، توقّف فيها المشهد بكل تفاصيله، لا صوت ولا صورة ولا دقات للقلب، لا تدفّق للدماء أو التقاط للأنفاس.. حتى الإشارات الكهربائية ربما توقفت عن الانتقال بين الخلايا العصبية.. ثم فجأة سرت فى جسدى رعشة لم أعهدها من قبل، كأنه قالب ملتهب من حديد غُمس فى بحيرة من جليد، تعالت خفقات قلبى، فإذا هى دبيب لا يُحتمل يقرع طبلة أذنى، تناوب صدرى بين ارتفاع وانخفاض كمرجل بخارى التهم فى جوفه وقوداً نووياً.
سحبنى رجل الشرطة من ذراعى للخلف، فيما كان آخر على مقربة منى يُحكم إغلاق بدلة المفرقعات على جسده، استعداداً لفحص العبوة المشتبه فيها.. ينثنى على ركبتيه، ينكب على الأرض، ويمد يديه نحو الكيس الأسود بجهاز فى يده، بينما ضابط الشرطة يصيح فى المواطنين المتأهبين يطالبهم بالتراجع.
ويُشكل مع العساكر والحواجز سوراً بين الناس وبؤرة الخطر، يقترب الخبير أكثر من الجسم المشتبه فيه، ينطق الشهادتين قبل أن يمد يديه.. بمعايير الوقت استغرق الفحص 10 دقائق، وبمعايير الحياة والموت استغرق العمر كله قبل أن يتنفّس الرجل الصعداء، ويقبض على الحقيبة، معلناً سلبية العبوة.
عُمر جديد كُتب لى وللخبير وربما لعشرات العابرين فى الميدان، كل منا كان يحمل فى رأسه حكاية، وفى قلبه أمنية، وفوق أكتافه جبالاً قد تميد بها الأرض، كادت تطيح بنا عبوة ناسفة، زرعها فى طريقنا إرهابى يحمل فى رأسه جهلاً وتطرفاً، وفى قلبه غِلاً وسواداً، وفوق أكتافه جبال من الحقد والقسوة والكراهية.
كانت العبوة سلبية والبلاغ كاذب هذه المرة، لكن ما لا شك فيه أننى وخبير المفرقعات وقفنا على البوابة بين الحياة والموت، غير أن هناك المئات غيرنا عبروها ضحايا وشهداء، دون ذنب أو جناية.
فى مؤتمر «حكاية وطن» وقف وزير الداخلية يروى فصلاً من قصة المواجهة، فى أعقاب ثورة 30 يونيو.. 1194 شهيداً من الشرطة وحدها، بخلاف شهداء القوات المسلحة والآلاف من المواطنين الذين ارتقوا إلى الحياة فى معية الله نتيجة لأكثر من 260 عملاً إرهابياً، فضلاً عن كشف وتفكيك الكثير من الخلايا والبؤر الإرهابية، التى تجاوزت 1203 بؤر إرهابية.
سلسال من الدماء وآلاف من الأرواح قدّمها أبناء «الوطن» جنوداً ومدنيين فى جبهات الحرب على الإرهاب، فى الأكمنة الأمنية، فى الكنائس، وفى مسجد «الروضة» على أرض سيناء، التى شهدت ملحمة عسكرية قبل 50 عاماً لاستعادة العزة والكرامة والأرض، وتُوجت بانتصارات أكتوبر المجيد، كما شهدت لاحقاً وكل ربوع مصر، ملحمة أخرى فى مواجهة الإرهاب والتطرّف تُوّجت بالقضاء على جماعاته وعناصره ومخططاته.