علمنى سيد بسطويسى
قبل أيامٍ عدة، لاحظت زوجتى كيف يتعامل معى أصدقائى المقربون، فعلقت قائلة «أنت محظوظ بأصدقائك»، على الرغم من أنها لا تعلم بشأن أحد أهم أصدقائى، لأنه ذو مواصفات خاصة، خفى لا يظهر، عاش فى زمن آخر، مُلهم وناصح، والأهم من كل ذلك أنه «بطل».. فماذا لو عرفت بشأنه؟!
ذات يوم، بعث لى القدر ببعض الصور الضوئية لأوراق تعود لأحد جنود حرب أكتوبر 1973، لم تكن كثيرة ولكن الكلمات القليلة والرسومات البديعة لوجوه الجنود نبهت حسى الصحفى أنها جزء من حكاية لم ترو بعد، حكاية لا أعرف عن صاحبها إلا اسمه.. «سيد».. ومن مدينة «طنطا» وخدم فى حرب أكتوبر.
لم يكن سيد حريصاً على تسجيل يومياته على الجبهة فقط، بل حرص على تسجيل حياته كاملة فى دفاتر يوميات، مدوناً فيها أحلامه وتطلعاته وأفكاره التى لم يبح بها إلا لأوراقه، وعندما وصلتنى تلك الصور علمت أنها جزء من دفتر وقع فى يد جندى إسرائيلى سابق أثناء خدمته تحت إمرة الإسرائيلى «أرئيل شارون» فى معارك ثغرة الدفرسوار، ولدى هذا الجندى استعداد لتسليمها حال العثور على صاحب الدفتر «سيد» أو أسرته حال استشهاده أو وفاته فى وقت لاحق من الحرب.
كانت تلك الأوراق مفتاحاً محتملاً لقصة صحفية استقصائية بالعثور عليه أو على عائلته، ومن ثم استعادة دفتر يحمل كواليس آخر 3 أشهر من الحرب فى منطقة مهمة مثل منطقة الدفرسوار، وتمثل ذلك المفتاح فى أسماء رباعية وتواريخ ميلاد لزملائه فى الوحدة، قادنى أحد الأسماء إلى صاحبه عن طريق دليل الهاتف الأرضى، وسافرت له مباشرة إلى مدينة زفتى بمحافظة الغربية، وهنا أدركت أن سيد ترك لى فى يومياته أطراف خيوط أسير وراءها وهو أيضاً حريص للكشف عن حكايته.
فور وصولى إلى قرية «دمنهور الوحش»، التقيت بالحاج «محمد العربى صديق» واتضح أنه لم يكن مجرد زميل فى الوحدة العسكرية، بل كان يجاوره فى الحفر الميدانية أثناء معركة «المزرعة الصينية» التى استشهد فيها سيد.. وكانت تلك المفاجأة هى التى حملها لى، أنه شهيد.
كشف لى العربى صديق عن معلومات أخرى تمثلت فى اسم عائلة سيد «بسطويسى»، ولكنه لم يكن لديه أى معلومات عن مكانها، وهنا أصبح لدىّ خيط جديد تركه لى للسير خلفه، وقررت التوجه إلى مدينة طنطا والبحث عن عائلات «بسطويسى»، وكان عددهم 11 عائلة، وبعد أيام من البحث لم أجد لدى واحدة منهم أى شهيد بحرب أكتوبر، لأعود إلى القاهرة مُحبطاً، وزاد الإحباط فى الفترة اللاحقة لعدم نجاحى فى العثور على تلك العائلة، ولكن بعد مرور عام ونصف تساءلت «لماذا لم أستخدم تلك الخيوط علانية؟».
قررت حينها نشر إحدى صور الصفحات التى حصلت عليها فى خبر صحفى، مع نداء للعائلة، وبالفعل فى اليوم التالى هاتفنى شقيقه الأكبر «نبيل بسطويسى»، الذى لم يكن يعلم تفاصيل استشهاده منذ الحرب، لألتقيه فى منزله بمنطقة مصر القديمة، ويكشف لى عن الدفاتر الـ7 التى تركها سيد وحملت قصة حياته، وأشعاره، وقصصه القصيرة، ومسرحياته، ورسوماته أيضاً، وهنا نجحنا فى استعادة الدفتر الأخير من داخل تل أبيب بعد رحلة بحث استمرت 4 سنوات.
رحلة البحث الماضية لم تكن مجرد تحقيق صحفى من ضمن التحقيقات التى عملت عليها طوال السنوات السابقة، بل كانت رحلة اكتسبت فيها صديقاً يصغرنى بحوالى عامين ونصف، منحته القليل ومنحنى الكثير.
علمنى سيد الشجاعة عندما قرأت فى يوميات شاب يبلغ من العمر 24 عاماً على الخطوط الأمامية فى الجبهة أمنيته بالعبور وتحرير أراضينا.. وعندما قرأت كلماته بأنه تعرض للموت أكثر من مرة أثناء معارك الثغرة، ويُصر كل مرة على الخروج والقتال فى اليوم التالى، عندما قال إنهم كانوا يأكلون ويشربون تحت أصوات الغارات التى أصبحت لا تزعجهم ولا تجعلهم يتوقفون عن استكمال الوجبة.. علمنى سيد أن أكون مثقفاً، عندما رأيت مكتبته الغنية جداً التى احتفظت بها العائلة فى غرفة خاصة.. عندما أقرأ استشهادات فى كتاباته من كبار الفلاسفة والأدباء.. عندما أدركت أنه قارئ نهم يغوص فى بحور المؤلفات بمختلف المجالات.. علمنى سيد الرومانسية فى أشعاره وقصصه القصيرة ومسرحياته التى تركها وظلت حبيسة الأوراق لما يقرب من 50 عاماً.. عندما قرأت وصفه لبنت ما التقى بها فى أحد الأماكن ولفتت انتباهه.. عندما رسم فى تلك الأوراق الفنانات الأقرب إلى قلبه.. وعلمنى.. وعلمنى..
صديقى سيد.. أود أن أشكرك على ما منحتنى إياه وساعدنى لتجاوز العديد من المواقف وتحقيق أهداف لم تكن تأتى بدون رسائلك فى يومياتك، فأنت نموذج لا يتكرر كثيراً.. وأعتذر لك لأنى لا أستطيع أن أقدم لك الكثير فى المقابل سوى مطلبك الوحيد الذى سعيت له دائماً وهو الكشف عن قصتك.
وإلى زوجتى العزيزة.. أود أن أقول لكِ إنكِ مُخطئة فى مقولتك إننى محظوظ بأصدقائى، بل أنا «محظوظ للغاية بأصدقائى».