الأحلام أيضا تتوارثها الأجيال
فى ميدان «العبور» عند البوابة الشمالية لمحافظة بنى سويف، ترسو طائرة حربية سوفيتية الصنع من نوع «سوخوى 7» على قاعدة خرسانية، كانت القوات المسلحة قد أهدتها إلى المحافظة، لتكون شاهداً على بطولات المصريين فى حرب أكتوبر المجيدة.. فى طريق عودتى أنا وابنى مُحمد إلى بلدتنا، نمرُّ إلى جوارها، فيُطل الصغير برأسه من السيارة، ويظل مشدوهاً نحوها ويسألنى وهو يرفع حاجبيه مندهشاً:
- بابا هى دى الطيارة بتاع الحرب؟
- أيوه يا حبيبى، دى الطيارة اللى حاربنا بيها، ورجّعنا أرضنا من الإسرائيليين.
- هو ينفع أسوقها؟
- ينفع يا حبيبى.. بس لازم تبقى ضابط طيار مُقاتل.
- بابا ينفع بدل ما أروح KG1 تودينى كلية الظباط.. أنا خلاص عايز أبقى طيار مقاتل؟
- ينفع يا بطل.. بس واحدة واحدة الأول المدرسة، ولازم تبقى شاطر فيها وقوى علشان لما تكبر تروح كلية الظباط والطيارين.
قد يرث الإنسان من أسرته الأموال، والحسب والنسب، والملامح، والسلوكيات، والطّباع.. ولكن هل يرث الأمنيات والأحلام؟!.. كان حلمى أيضاً وأنا فى مثل سن مُحمد أن أصبح طياراً حربياً، كنت أقول لأمى وخالاتى وأختى أسماء، سأمرُّ عليكم أعلى سطح المنزل، وآخذكم فى نزهة للأهرامات وبرج القاهرة وإلى أى مكان تُحبون.. ولأصدقائى رفاق الطفولة، أننى سأصحبهم معى فى هجمة ندمر فيها حصون الأعداء، ومنزل جارٍ لنا كان دائم الشجار معنا.
كنت كثيراً ما أفتح دولابنا القديم، وأُخرج البدلة العسكرية لأخى الأكبر محمود، أُلمّع النّسر على البيريه، والنجوم الذهبية على الكتفين، وأحملها بين يدى كطفل صغير، وأضمها إلى صدرى وأشتم رائحتها، فإذا هى أطيب من الريحان والياسمين، ثم أودعها أمنياتى وأحلامى وطموحاتى، وأردها إلى موضعها.
كان أخى قبل العودة من الخليج، يسألنى فى كل مرة عايز إيه وأنا جاى؟ أول لعبة أحضرها لى مُسدس وسيارة عسكرية زرقاء، وأول طلباتى منه كانت بدلة ضابط.. تعددت بدلاتى بين المُموّه والميدانى، وتدرجت رتبتى بين النقيب والعميد، لكننى لم أصل إلى رتبة اللواء.. حفظت النشيد الوطنى، وأحببت الموسيقى والمارشات العسكرية، وعلّقت شارة الشرطة المدرسية فى ذراعى، ارتديت الكاب الأحمر بالنسر، وكنت أحياناً ما أقود تحية العلم فى مدرستى الابتدائية.
شاركت المقاتلة «سوخوى 7» فى معارك الوطن، استخدمتها قواتنا الجوية فى حرب 1967.. وفى 1973 انطلقت من مطار دنديل الحربى بمحافظتى بنى سويف صوب الجبهة، عبرت المستحيل بفضل المقاتل المصرى، واجتازت القناة والساتر الرملى وبارليف، إلى عمق سيناء، وشاركت فى الضربة الجوية الأولى بحرب أكتوبر، وأسقطت «الشبح» ودكّت تحصينات العدو.. ثم خرجت من الخدمة عام 1988، ربما كنت وقتها فى عُمر محمد ابنى الصغير، فيما كان أخى الأكبر ضابطاً بالجيش على حدودنا الغربية.
حكى لى عمى محمد رفاعى الشيمى، وكان ضابطاً بالقوات المسلحة «1969- 1974» وشارك فى أكتوبر، كيف كانت وطأة النكسة على معنويات المصريين، من مرارة وانكسار، وكيف مرت الأيام بعدها على الجنود فى الجبهة ثقيلة، حتى إذا ما حانت «ساعة الصفر» وجاءت إشارة العبور، انطلقوا بسرعة الرصاص والذخائر والقذائف والصواريخ صوب سيناء.. يتذكر رفقاء السلاح وبطولاتهم إذ تتجسد حية أمامه، المقدم أنور حسنين قائد الكتيبة، والنقيب محمد عابدين الذى أسر جنوداً من الأعداء وعاد بهم إلى الضفة ووزع عليهم السجائر، والعسكرى مجدى ميخائيل، سائق الإسعاف، الذى ظل طوال الليل ينقل الجرحى والشهداء، ويعود بالسلاح والعتاد، والضابط سيد يونس الذى أضاء وجهه نوراً لحظة استشهاده.
صحبت أبنائى قبل سنوات إلى المتحف الحربى فى «القلعة». أطلعتهم على تاريخ المعارك والعسكرية المصرية، تلك الطائرات والمركبات والدبابات والآليات والأسلحة خفيفة وثقيلة، لم تكن أفضل شىء ولا أقوى سلاح، على الإطلاق، ولكنها تحولت فى أيدى الأبطال المصريين المدربين إلى أسلحة فتاكة ودروعاً تستعصى على الاختراق، بفضل روحهم المعنوية العالية، وإرادتهم الصلبة وعزيمتهم الماضية، ورغبتهم فى النصر والعبور.
فى المتحف الحربى، أطلعتهم على قائمة شرف قادة حرب أكتوبر المجيدة، وفى القلب منهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكان بين رموزها عمى الراحل اللواء أحمد كمال القلعاوى، رئيس أركان قوات الدفاع الجوى (يونيو 1971- مارس 1974) أحد أبطال العبور ومحافظ الإسماعيلية الأسبق، الذى كرمته العسكرية المصرية فى احتفائها بقادة انتصارات أكتوبر، فى ذكرى حائط الصواريخ، كما أطلقت اسمه على الدفعة 48 دفاع جوى.
نعم «الأحلام» تتوارثها الأجيال.. والجندية والعسكرية المصرية، شرف يتمناه كل المصريين.. تسأل الأطفال فى سِنيّهم الأولى عن أمنياتهم، فإذا غالبيتهم يحلمون أن يصبحوا ضباطاً، غير أن «يوسف» ابنى الأكبر وهو يشاهد «المنسى» فى مسلسل «الاختيار»، قال لى: بابا أنا عايز أبقى «جندى».. أخبرته بأننا جميعاً جنود فى خدمة «الوطن»، من الطبيب إلى المهندس إلى المعلم إلى الموظف والصحفى والفلاح فى أرضه إذ هو يرويها بحب ويبذر فيها الأمل قبل «الحب».