الإعلام في حرب فلسطين

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

من يرصد الحرب بين فلسطين وإسرائيل لا يمكنه تجاهل حرب من نوع آخر هي الحرب الإعلامية التي لها دور كبير مؤثر على الرأي العام المناصر أو المعارض للحرب، بعدما اشتعلت الحرب إنحاز الغرب إلى إسرائيل، فجيش إعلامه ضد الفلسطينيين وضد المقاومة في غزة، وصور للعالم ما أراد أن يصوره.

هذا ليس جديدا فعندما حاربت روسيا أوكرانيا شحذ الغرب آلته الإعلامية ضد روسيا لكن روسيا كدولة عظمى لم تتأثر كثيرا، بل ردت من خلال إعلامها وإعلام حلفائها على ما أردا الغرب تصويره ضد روسيا وتسويقه.

منذ عقود طويلة كان الإعلام في الزمن الحديث والمعاصر جزء حيويا من الحروب وسلاحا ماضيا لا تغفله الجيوش خاصة في الدول الكبيرة ولنا عبرة فيما قاله نابليون: الجريدة أقوى من جيوش ومن أسلحة ولذلك كان اول ما فعله خلال الحملة الفرنسية على مصر أن أصدر جريدتين باللغة الفرنسية كانتا أول صحيفتين في المنطقة العربية.

صار الإعلام سلطة، صار قوة، صار مكونا للقناعات ومشكلا للذهنيات، يعيد تشكيل وصناعة الرأي العام ويدفع في اتجاه تبرير الحروب ورسم خرائط جديدة وإجراء تحولات جذرية وفرض معطيات تغير الواقع.

صارت الحروب على الشاشات لحظة بلحظة لكنها لحظات مرسومة ومعدة مسبقا للتلاعب بعقول البشر وأذهان الناس، تتلحف بتقنيات الإبهار والإقناع، وكان الغرب سباقا في ذلك فأقام إمبراطوريات إعلامية لغرض خدمة أهدافه الإمبريالية، ولتكريس مفاهيم يريد تمريرها، وينساق إليها المحليون ويرددونها فتصير أقرب إلى الواقع.

يحدث ذلك في حرب الفلسطينيين وإسرائيل وتعمل الآلة العسكرية الإسرائيلية على تنفيذ ما تم تسويقه إعلاميا من قبل بخلق وفرض شرق أو سط جديد بينما الإعلام العربي متلقي وليس خالقا او فاعلا وهو ما ثبت في الحرب الدائرة حاليا .وقع الرأي العام الغربي ضحية ما سوقه وروجه إعلامهم عن وحشية الفلسطينيين وقتلهم الأطفال وقطع رؤوس الأسرى المدنيين.

وهي الرسائل التي شارك فيها قيادات الولايات المتحدة الأمريكية بقصد لتصوير الفلسطينيين كما أرادوا سفاحين، وتلك طريقتهم دائما فقد صوروا زعماء في دول عديدة خاصة في عالمنا العربي على أنهم هتلر جديد وهو يعلمون مدى كره شعوبهم لهتلر الذي حاربهم وهو مؤمن بقضايا ومصالح بلاده .كما وقع الرأي العام العربي بوسائله الإعلامية في فخ العبارات التي يكرسها الإعلام الغربي عن بلادنا ويرددها بدون تمحيص.

فنجد عبارات مثل ناشطون فلسطينيون.. عناصر جهادية _ وكلمة جهاد هنا لها معاني انتحارية في الذهن الغربي وليس فدائيا أو مقاوما _ ويطلقون أيضا.. حزب الله الشيعي.. قاصدين الذهن الجمعي للسنة وكأنه ليس عربيا.. حركة طالبان السنية.. أو الإرهابية.. إلى آخر ذلك مما ينساق وراؤه إعلامنا.

من يراقب ويتابع نهج الإعلام الغربي بالنسبة لحرب غزة يلاحظ أن هناك تعمد لإرباك الرأي العام العربي والغربي بأحداث قد لا تكون وقعت وتوقع نتائجها التي ترغب إسرائيل في تكريسها وكيف أن هذا الإعلام يمهد لنتائج وقد أعلن نيتانياهو رئيس وزراء إسرائيل عن بعضها بقصد أو بدون، وكذلك ترويج صور قد لا تكون حقيقية، إنما قصد بها التأثير في اتجاه معين، واستخدام مهارات الإقناع للتأثير على المتلقين واستفزاز الرأي العام الغربي بمسائل حقوق الإنسان، ووحشية الفلسطينيين.

وإيهام الغرب بأن القضاء على غزى وإبادة الفلسطينيين يعني تخليص الغرب والعالم إرهابيين لطالما هددوا المواطنين المسالمين في إسرائيل وفي بلادهم الغربية.

إن السلاح الخشن لم يعد السلاح الوحيد في الحروب وإنما يبزه السلاح الناعم الذي يتسلل مؤثرا على العقول والقلوب والمشاعر لاكتساب تعاطف وتأييد شعوب متقدمة قادرة على تغيير سير المعارك ونتائج الحرب.

وللأسف لم يستطع الإعلام العربي رغم قنواته المتعددة أن يقاوم الهجمة الإعلامية الشرسة التي تصور العرب على أنهم وحوش وكائنات تتغذى على ادماء والعنف والإرهاب.