كيان لا يعرف الرحمة
كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة وعشرين دقيقة صباح يوم 8 أبريل من عام 1970، حين حلّقت 5 طائرات من نوع «فانتوم» أمريكية الصنع؛ تابعة لسلاح الطيران بجيش الاحتلال الإسرائيلى، لتقوم كل طائرة بإلقاء قنبلة بمجموع 5 قنابل بوزن 1000 رطل، إضافة إلى إطلاق صاروخين؛ على مدرسة «بحر البقر» الابتدائية المشتركة التى تقع بقرية تحمل الاسم نفسه فى ريف مركز الحسينية، بمحافظة الشرقية.
أسفر الهجوم عن تدمير كامل لمبنى المدرسة، الذى كان مكوناً من دور واحد بواقع ثلاثة فصول، وسقوط 30 طفلاً شهيداً وإصابة 50 آخرين، فضلاً عن 12 آخرين بين مدرسين وعاملين بالمدرسة، كانت مجزرة بشعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليخرج المعتدى بكل بجاحة، مُبرّراً فعلته ومدعياً أن المبنى كان يُستخدم لأغراض عسكرية على خلاف الحقيقة.
كان الموقف الدولى -سلبياً كالعادة- ولم يُدن إسرائيل، بل اكتفى بالتنديد فقط، ولم تتم مساءلتها على تلك الجريمة حتى وقتنا هذا، وما كان من الولايات المتحدة ورئيسها آنذاك ريتشارد نيكسون إلا أن اتخذ موقفاً باهتاً ليس على قدر الحدث والجريمة النكراء، لتُقرر أمريكا تأجيل إمداد الكيان الإسرائيلى بصفقة طائرات حديثة، وكأن من سقطوا مجرد عرائس بلاستيكية، ولمَ لا فإسرائيل هى الطفلة المدلّلة لـ«ماما أمريكا»، التى دأبت على حمايتها مهما كان الجرم شنيعاً.
وما أشبه الليلة بالبارحة، وكما يُقال «من أمن العقاب أساء الأدب»، لتخرج دولة الاحتلال من جديد بالكثير من الجرائم ضد الإنسانية، لا يوجد ما يكفى من كلمات لوصف مدى بشاعتها، منذ يوم 7 أكتوبر الماضى، إسرائيل لا رادع لها طالما الموقف الدولى من جرائمها، خاصة من قِبل الغرب وأمريكا ظل مائعاً ولا يدينها، فى غياب تام لأى موقف حازم لردع مثل هذه الأفعال الشنعاء، التى تخالف القوانين الدولية وتصنّف كجرائم حرب، وليس الإعلام الغربى ببعيد عن هذه الجرائم، بل هو مشارك أصيل بها وداعم لها، طالما مارس تضليلاً متعمّداً لمحاولة تبرير جرائم الاحتلال أو التهوين منها أو حتى التحريض ضد الفلسطينيين.
بحر البقر، صبرا وشاتيلا، خان يونس، الحرم الإبراهيمى، قانا (الأولى والثانية)، كفر قاسم، كلها أسماء لمجازر قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلى، على سبيل المثال لا الحصر، وانضمّت إليها الكثير من المجازر الأخرى بعد قصف الكثير من المستشفيات والمدارس بغزة، التى أتت على أكثر من نصف مبانى القطاع، كل هذه الجرائم ستظل سُبة فى جبين المجتمع الدولى الذى يسهم بشكل مباشر ويداه ملطختان بالدماء، سواء بالتبرير أو بالدعم أو حتى بالموقف السلبى تجاه الحق الفلسطينى الأصيل.