إلى يتامى أحمد خالد توفيق.. لن تصبحوا كتاباً حتى تحترق النجوم!

إن كنتَ من محبِّى أحمد خالد توفيق فستشعر، بعد قراءة الفقرة الثانية من هذا المقال، برعشة فى أطرافك، وغضبٍ يستولى عليك، ورغبة فى تحطيمى، ولن تجد أمامك سوى البحث عن «بروفايلى» على الفيس بوك، لتضع تعليقاً سيئاً، أو تترك رسالة سخيفة، أو «ترزعنى البلوك»، فتستعيد رباطة جأشك، متخيلاً أنك حللت المشكلة، بوضع «هذا المارق» فى سجنك الخاص، بينما أنت لا تمارسُ إلا مزيدا من التضليل على نفسك، مستريحا لفكرة أن (صاحبك) هو الأديب العالمى، بينما هو لا يعدو فى سوق «الأدب الحقيقى» إلا كاتب «هراء علمى» أو «ألغاز» أو «مغامرات» تصلح سيناريوهات لأفلام رعب هزلية، أو «دراما بايخة».

لقد جنى أحمد خالد توفيق عليك، كما جنى على عشرات مثلك، غشَّهم بخلطة حواديت، مزجها بـ«بهارات الخوف»، وبـ«صوص الغموض»، ظل يطاردك بشخصياته الميِّتة، وعاجلك -قبل أن تُنهى قراءة أى مغامرة له- بالثانية، والثالثة، فقررت الاستغناء عن باقى الكُتَّاب، اعتبرت أنهم لن يستطيعوا تجاوزه أبداً. وحين أردت مثل عشرات غيرك أن تكتب فلا لشىء إلا لتقلِّد أستاذك، أصبحت صورة باهتة منه، نسخة بـ«تلاتة مليم».

أخذت لغته وطريقته وأسلوبه، وبالتالى صار لدينا (منك ومن أمثالك) عشرات بل مئات الكتَّاب والكاتبات يشبهونه، سواء فى نمط كتابته أو فى طريقة تفكيره التقليدية، كما صار لدينا دور نشر خاصة تحتفى بأعمالهم، بعد أن وجَدتْ قراء جاهزين للإقبال على هذه الكتابات الرديئة وتحويلها فى غمضة عين إلى «بيست سيلر»، إنهم طبعاً قرّاء أحمد خالد توفيق، الذين وجدوا (أفراخاً أدبية) تكتب على طريقة الأستاذ وتتحدث مثله وتحتفى به وترتدى ملابسه وربما نظَّارته وابتسامته.هذه الظاهرة كان يمكن أن تمر مثل كثير من الظواهر السيئة فى الحركة الأدبية المصرية، لكنك تلح وتزنُّ وتطنُّ فى الهواء، تلسعنا وتقفز من وجوهنا إلى أذرعنا، حين ترانا نمرُّ فى أى مكان، فى جروبات القراءة، وفى الأمسيات، وفى التجمعات الأدبية، وحتى فى مواقع التواصل الاجتماعى، تصدِّعنا بمقولات أستاذك، ويبدو أنك تعتقد أننا منبهرون بها، وإلا لماذا لا تكف عن إعادة نشرها مراراً وتكراراً، وتنهى كل بوست لك بها؟! وطبعاً على رأسها أسخف جملة قرأتها فى حياتى، أقصد جملة «إلى أن تحترق النجوم»، إنها تبدو لى شبيهة بما يقوله الطفل حين يسأله أبوه أو أمه «بتحبنى قد إيه؟!» فيقول: «قااااد الدنيا»!ثم إن لديك ثقة لا أعرف من أين تستمدها، وإلا فكيف أطلقت على أستاذك أحمد خالد توفيق لقب «العراب».

إن أعظم أدباء مصر، وأقصد طبعاً أستاذنا نجيب محفوظ لم يحصل على لقب كهذا، فهل تعرف لماذا؟! لأن «محفوظ» نفسه يعلم والأدباء الكبار يعلمون بل والأدباء الصغار أن الألقاب والأضواء للمطربين والمطربات لا للأدباء، ودعنى أسألك مرة ثانية: لماذا أطلقتَ عليه هذا اللقب؟! إلا لو كنت تطلقه عليه من باب أنكم أخوية أو شلَّة أو عصابة أو مافيا.ولو أنك متواضع فستؤمن بأنه من حق الآخرين أن ينتقدوا أى كتابة يقرأونها بما فيها كتابة أستاذك، لكن صياحك وصياح إخوانك كلما خدش أحدهم كتابته بكلمة بسيطة فى بوست أو فى مقال تعنى حقاً أنكم أخوية لا تعرف إلا الدفاع عن أعضائها وطبعاً كبيرها فى المقدمة.

يمكن أن نقول إن أحمد خالد توفيق هو كاتب للمبتدئين، لمحبى القراءة فى وسائل المواصلات، ففى الضجيج والتدافع لا يمكن إلا أن تقرأ شيئاً بسيطاً لا تستخدم فيه عقلك، أو تراجع ذاتك، أو تتأمل الحياة ومصائر البشر حولك. أحمد خالد توفيق كاتب خفيف، شديد الخفة، قد تشكره لأنه جرَّ رِجلك إلى القراءة، لكنك يجب أن تغضب عليه لأنه وضعك فى عُلبته وأغلق عليك، وعزلك عن العالم، فلم تعد ترى لا أشخاصاً ولا كتَّاباً آخرين، لم يعد بوسعك أن تقرأ أعمالاً رائعة من الأدب الإنسانى ولا حتى من أدب النسانيس.

لقد وصلت إلى الأربعين أو الخمسين من عمرك، وصرت أطول من أستاذك، ومع هذا لا تزال تسير وفوق جسدك عقل صبى فى سن المراهقة، لا تعرف حتى الآن ما يجب عليك قراءته، أو عدم قراءته، حتى حينما أردت أن تصبح كاتباً قررت ألا تكون نفسك، بل نسخة من شخص آخر.

إننى أقول مع الكاتب أحمد شافعى فى نهاية هذا المقال: «مهم جداً أن يُقال كثيراً لقراء أحمد خالد توفيق إنهم لم يقرأوا بعدُ بالقدر الكافى، ولم يتعلموا جيداً بعدُ، وإن الخطأ الكبير فى مسألة أحمد خالد توفيق لا يتمثل فى توفيق نفسه أو فى كثرة مَن يحبونه، ولكنه يتمثل فى أن المناخ الثقافى المصرى المختل كثيراً سمح لهم، أى محبى كتب توفيق، بممارسة الكتابة قبل أن يتعلموا القراءة».