«درونز».. طيور الحرب الفتاكة
لا يتوقف عقل الإنسان عن البحث لابتكار أسلحة حربية جديدة. ارتبط الإنسان بالأسلحة منذ أدرك حاجته لآلة تحميه من عدوان أقرانه من البشر ومن الحيوانات المفترسة وكذلك لتوفير طعامه من خلال الصيد. كانت البداية مع الحجر، فاستخدمه الإنسان بعد أن جعل له سناً مدببة يطعن بها خصمه أو فريسته. بعد اكتشاف المعادن استخدمها الإنسان فى صنع الأسلحة وكان أهمها الحديد الذى كان وما زال المعدن المهيمن على أسلحة الحرب على مدى قرون طويلة والذى لم يستغنِ عنه جيش من الجيوش منذ عصر الإمبراطوريات أو القبائل.
عاش الإنسان، وما زال، صراعاً متواصلاً، حيث تنوعت أسلحته وتطورت لتشمل العربات الحربية، والرماح الطويلة التى يطعن بها بدون أن يقترب، وابتكر المنجنيق الذى يرجم الأثقال والمتفجرات من مسافات بعيدة، وسعى لترويض الحصان الذى ظل شريكه فى كل الحروب التى خاضها على مدى قرون طويلة وآخرها كانت الحرب العالمية الأولى التى قُتل فيها 14 مليون حصان.
إن الصراع جوهر الحياة، والحرب جوهر الصراع، لذلك تسخر الشعوب أفضل عقولها لابتكار الأخطر من الأسلحة لمواجهة العدوان أو الاعتداء على شعب آخر. وبعد البارود والمسدسات والمدافع والبنادق والقنابل والصواريخ والقنابل النووية، ظهر سلاح جديد فتاك رغم صغر حجمه وبخس ثمنه وسهولة استخدامه، هذا السلاح الطائرة المُسَيرة أو «درونز» باسمها العالمى التى صارت تُعرف به.
لطالما سعى الإنسان وحرص على حماية نفسه من خطر القتال، لذلك ابتكر الدروع وتفنن فى تصميمها بحيث تبعد عنه خطر الموت السهل، لذلك يتسابق العالم فى تصنيع الطائرة المسيرة أو «درونز» التى تطير بدون طيار بهدف حماية الإنسان الطيار وإبعاده عن خطر السقوط أو التدمير مع الطائرة.
بدأ التفكير فى تصنيع هذه الطائرة بعد سقوط طائرة تجسس أمريكية فى أراضى الاتحاد السوفيتى عام 1960. وجدت أمريكا أن هناك خطراً فى حال ما تكرر سقوط طائراتها للتجسس، فقررت أن تنفذ فكرة الطائرة بدون طيار والتى توجّه عن بعد من خلال برمجة مسبقة يتحكم فيها شخص مدرب على قيادتها. تمكنت الولايات المتحدة من تصنيع «درونز» التى تتميز بخفة الوزن وصغر الحجم، فلا تزيد فى أحيان على 20 سنتيمتراً طولاً و15 سنتيمتراً عرضاً ووزنها يمكن أن يصل إلى 250 جراماً وتكلفتها لا تتجاوز 500 دولار. وتتميز بالاستخدام المرن، فمن أنواعها ما يمكن التحكم فيه يدوياً والسيطرة عليه فى الصعود والهبوط، ومنها ما يتم التحكم فيه إلكترونياً بالكامل وفقاً لبرنامج معد مسبقاً ولا يستطيع الطيار فى هذه الحالة التدخل، وهناك نوع آخر يجمع بين البرمجة وبين إمكانية تدخل الطيار.
استخدمت أمريكا تلك الطائرات فى الحرب ضد فيتنام ولما نجحت هناك، أعطت إسرائيل المئات منها لاستخدامها ضد مصر فى حرب أكتوبر 1973، لكنها لم تلقَ نفس النجاح بسبب وجود حائط الصواريخ على جبهة الحرب، وحالياً تعد حرب روسيا وأوكرانيا أبرز ساحات درونز حيث تتصارع الدولتان بعدد كبير من هذه الطائرات التى تتقاتل بأعداد كبيرة مستهدفة موسكو أو كييف ويمكنها أن تدمر الدبابات والمركبات العسكرية بسهولة. وتستخدم فى العمليات العسكرية التى تتم فى الأراضى الوعرة، مثل جبال أفغانستان وقد تستخدم فى اغتيال شخصيات مهمة كما حدث فى محاولة اغتيال رئيس فنزويلا.
فى فترة تصنيع طائرات درونز الأولى كانت ثلاث دول فقط تصنعها: أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، والآن عشرات الدول تصنعها وتملكها، الصين على سبيل المثال تملك عشرات النماذج أو الموديلات منها، ومصر كذلك تملك طائرات متطورة. وفى حرب روسيا وأوكرانيا تشتريها الدولتان من تركيا وإيران بأعداد كبيرة بجانب ما تصنعانه فى بلادهما.
تكاد طائرات درونز تكون بلا عيوب، فهى خفيفة الوزن وصغيرة الحجم ويمكنها أن تطير على ارتفاعات منخفضة للغاية وهذا يجعلها بعيدة عن متناول الرادار وتستخدم كميات قليلة من الوقود وتستهلك تكاليف أقل فى ساعات طيرانها ومنها ما هو كبير الحجم ويمكنه نقل أسلحة وحمل صواريخ تستهدف تدمير أهداف عسكرية والأهم أنها تطير بدون طيار وبذلك يمكن استخدامها فى عمليات أكثر خطورة مما لو كان يقودها طيار، واستخدامها يوفر تكاليف تدريب الطيارين التى تصل إلى ملايين الدولارات. وبالمقارنة بأسعار الطائرات الكبيرة فإنها تربح أى مقارنة، فسعر طائرة كبيرة واحدة يغطى تكاليف الآلاف من طائرات درونز. ومن أهم إيجابياتها العسكرية أنها توفر للقادة صوراً لحظية لساحة المعركة ما يجعلهم يتخذون القرارات المناسبة، كما أنها يمكن أن تشوش على محطات الدفاع الجوى والصواريخ فتطيش ضرباتها، وأحياناً يمكن استخدامها كصاروخ فى مهمة انتحارية لتدمير هدف حيوى. وقد وصل حجم تلك الطائرات فى الجيوش الكبرى إلى ما يقرب من 25% من سلاحها الجوى.
وإذا كان حجم تلك الطائرات حالياً يماثل حجم طائر عادى كالغراب، فإن دولاً وشركات تعمل على إنتاج درونز فى حجم العصافير وتستخدم الذكاء الاصطناعى ما يجعلها سلاحاً حربياً فتاكاً غير قابل للصد.
ولا يقتصر استخدام تلك الطائرات على الأغراض العسكرية فقط، فهى تستخدم فى مراقبة الحدود والمناطق البرية والبحار والطيور وأحوال الطقس ومكافحة الحريق وصارت من أهم أدوات تصوير الأفلام السينمائية والحفلات، حيث توفر صوراً بانورامية تغطى مساحات كبيرة. ويفضلها أنصار حماية البيئة، لأنها لا تلوث البيئة، بل إن بعض الشركات اتجهت لتصنيعها من مواد قابلة للتحلل، وفى حال سقوطها لا تسبب أى ضرر على البيئة. واللافت أن أى شخص يمكنه من خلال التسويق على الإنترنت شراء طائرة درونز بما لا يزيد على 500 دولار وستقوم الشركة البائعة بتوصيل الطائرة حتى باب المنزل.
توصف «طائرات درونز» بأنها طيور الحرب الفتاكة، وهى بالتأكيد أهم أسلحة حروب المستقبل.