فى ساحة الدار وقف الجد العجوز منادياً حفيده «السعيد»، الذى لم يكمل عامه الرابع يدعوه للذهاب معه إلى الحقل، يهرول الصغير إلى أحضان جده فى سعادة، يعرف مكانه فوق الساقية، يهلل لمنظر المياه التى تخرج منها وتشق طريقها للزرع الأخضر.
لم يدرك الطفل يومها أن معالم حياته ترتسم ما بين الحقول والزرع وجداول المياه، تمر الأيام وتتبدل الأحوال دون حاله، عشقه للأرض وتعلقه بها أصبح كل حياته، لم يفارقها منذ أن كان طفلاً يلهو فوق الساقية القديمة، هو «السعيد محمد أبوعبيدة»، الفلاح ابن محافظة دمياط الذى لم تفارق يداه الخشنتان الطين: «كنت شاطر فى المدرسة لكن سيدى طلعنى منها عشان أراعى الأرض لأنى كنت أكبر اخواتى ومفيش حد يشيل الحمل غيرى». كان لدى «السعيد» 6 شقيقات، رباهن وجوزهن ثم تزوج وأنجب: «بنتى الكبيرة هدير فى كلية الطب، وفاطمة فى تانية إعدادى، وريم عندها نسبة عجز ومحمد فى إعدادى، أنا ماكملتش تعليمى لكن علمت ولادى، ومراتى متعلمة».
بعيون شاردة تتجول فى أركان حقله وعزيمة لم ينلها يأس يقول الفلاح الستينى: «زمان اشتغلت عامل بوفيه وعامل تراحيل باليومية، عشان أستر نفسى وأعلم إخواتى وأشوف كل واحدة منهم فى بيتها، لأن الأرض مابقتش زى زمان، مصاريفها كتير والزرع محتاج ميه ومبيدات وأسمدة، ومش موجودة ولو لاقينها مابنلاقيش تمنها»، يشكو «السعيد» من السماد المضروب والمياه التى أصبحت مخلوطة بالصرف الصحى: «الميه بتموّت الزرع قبل ما ترويه، زمان كنا بنشرب من القناية وكنا عايشين لكن الأيام دى الزرع بيشرب منها بيموت».
لم يختلف «السعيد» الطفل عن الشاب عن العجوز، وكأنه كُتب على جبينه الشقاء والتعب، الفلاح الذى انضم للجيش الثالث الميدانى وشارك فى حرب 1973، يدرك جيداً قيمة ثرى هذا الوطن رغم قسوته: «الحرب عرفتنا قيمة بلدنا وأرضنا، ومهما كانت الظروف صعبة، هيكون آخر يوم فى عمرى يوم ما أفكر أفرط فى حتة الأرض اللى ورثتها عن أبويا وجدى، رغم إنها مش بتكفى أكل ولادى عيش حاف، وبضطر أطلع أشتغل لحد دلوقتى باليومية عشان أوفر لهم مصاريف دراستهم». ما زال قلب «السعيد» ينبض بالأمل فى أن يجد حاكماً يضع الفلاحين نصب عينيه ويعمل على حل مشاكلهم حتى يصبحوا قادرين على الحصاد ولا يتركوا أرضهم فريسة للمبيدات والكيماويات المغشوشة، وعندما يعطش الزرع يجد مياهاً ترويه: «بحلم بمعاش يعيننى على الحياة إذا اشتد بى المرض.. متهيألى ده أبسط حق ليَّا فى الحياة».